مقالات

عيد الحب المصري.. حكاية يوم اختار فيه المصريون أن ينتصروا للمحبة وسط زحام الحياة

هناك أشياء صغيرة في حياتنا تبدو عادية، لكنها في الحقيقة قادرة على أن تعيد إلينا شيئًا فقدناه وسط زحام الأيام. كلمة طيبة، مكالمة تأتي في وقتها، يد تمتد إلينا دون أن نطلب، أو شخص يتذكرنا رغم انشغاله بالحياة. وربما لهذا السبب تحديدًا نحتاج إلى عيد الحب، ليس لأن المحبة لها موعد محدد، وإنما لأننا أحيانًا ننسى أن نعبّر عنها.

                                                                بقلم: دعاء نصر

في الرابع من نوفمبر من كل عام، يحتفل المصريون بما يُعرف باسم عيد الحب المصري، وهي مناسبة ارتبطت باسم الكاتب الصحفي الراحل مصطفى أمين، الذي دعا إلى تخصيص يوم للمحبة والتسامح، بعدما لفت انتباهه مشهد جنازة في أحد أحياء القاهرة، لم يشارك فيها سوى عدد قليل من الأشخاص، رغم أن الراحل عاش سنوات طويلة بين الناس.

كانت تلك الصورة كافية لتفتح بابًا من الأسئلة: كيف يمكن لإنسان أن يعيش عمرًا كاملًا وسط الآخرين، ثم يرحل دون أن يجد حوله من يودعه؟ وأين ذهبت روابط الجيرة والصداقة والرحمة التي كانت تمنح الحياة مذاقًا مختلفًا؟

ومن هنا جاءت فكرة تخصيص يوم للحب في مصر، ليكون مناسبة نتذكر فيها أن العلاقات الإنسانية ليست أمرًا ثانويًا في حياتنا، وأن الإنسان لا يحتاج إلى المال أو الشهرة حتى يترك أثرًا طيبًا في قلوب الآخرين.

لماذا نحتاج إلى عيد للحب في مجتمعنا؟

الحقيقة أن الحياة أصبحت سريعة بصورة لم نعتدها من قبل. نستيقظ على مسؤوليات العمل، وننهي يومنا بين متطلبات الأسرة ومشكلات المعيشة والالتزامات التي لا تنتهي. وبين كل ذلك، قد نؤجل سؤالًا بسيطًا لأمنا، أو زيارة لصديق قديم، أو جلسة هادئة مع شخص نعيش معه تحت سقف واحد.

نظن دائمًا أن الوقت ما زال أمامنا، وأن الذين نحبهم يعرفون مكانتهم في قلوبنا دون أن نقولها. لكن التجارب تعلمنا أن المشاعر، مهما كانت صادقة، تحتاج أحيانًا إلى كلمة تؤكدها، وموقف يثبتها، واهتمام يشعر به الطرف الآخر.

ليس الحب أن تقول لشخص إنك تحبه ثم تتركه وحيدًا في أصعب لحظاته. وليس الحب هدية غالية الثمن تُقدم في مناسبة، ثم تنتهي الحكاية بانتهاء اليوم. الحب الحقيقي يظهر عندما نختلف ونحافظ على الاحترام، وعندما نغضب ونختار ألا نجرح، وعندما نرى شخصًا متعبًا فنمنحه بعضًا من وقتنا بدلًا من أن نكتفي بسؤاله عن أحواله على عجل.

ولهذا أرى أن عيد الحب المصري يحمل معنى أوسع من الورود الحمراء والهدايا والرسائل الرومانسية. إنه دعوة لأن نراجع علاقتنا بمن حولنا، وأن نسأل أنفسنا بصدق: هل نحن مصدر راحة لمن نحب، أم أصبحنا عبئًا إضافيًا على قلوبهم؟

عيد الحب المصري.. حكاية يوم اختار فيه المصريون أن ينتصروا للمحبة وسط زحام الحياة
عيد الحب

الحب ليس للحبيبين فقط

من أكثر الأفكار التي تستحق أن نتوقف عندها أن الحب لا ينبغي أن يُحصر في علاقة عاطفية بين رجل وامرأة. فهناك حب الأم التي تخفي تعبها حتى لا تقلق أبناءها، والأب الذي يحمل هموم أسرته بصمت، والأخ الذي يقف بجوار أخيه وقت الشدة، والصديق الذي يعرف من نبرة صوتك أنك لست بخير، حتى لو قلت إن كل شيء على ما يرام.

وهناك أيضًا حب من نوع آخر، لا يحتاج إلى معرفة سابقة أو مصلحة مشتركة؛ حب الإنسان للإنسان. أن تساعد شخصًا لا تعرفه، وأن تحترم عاملًا يؤدي عمله، وأن ترفق بكبير في السن، وأن تمنح شخصًا من ذوي الهمم حقه في الاحترام والفرصة الكاملة للحياة، وأن تتوقف عن السخرية من ضعف الآخرين أو ظروفهم.

هذه التفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تصنع مجتمعًا أكثر رحمة. فليس من المعقول أن نتبادل التهاني بعيد الحب، ثم نقسو على بعضنا في الشارع، أو نؤذي بعضنا بالكلمات، أو نتعامل مع مشاعر الآخرين وكأنها لا تستحق الاهتمام.

إن المحبة الحقيقية لا تُقاس بما ننشره على مواقع التواصل الاجتماعي، بل بما نفعله عندما لا يرانا أحد.

عيد الحب المصري.. حكاية يوم اختار فيه المصريون أن ينتصروا للمحبة وسط زحام الحياة
مصطفى أمين

لمصطفى أمين وفكرة أعادت الاعتبار للمشاعر الإنسانية

ارتبطت فكرة عيد الحب المصري بالكاتب الصحفي الراحل مصطفى أمين، الذي رأى في المحبة والتسامح قيمة تستحق أن يكون لها يوم يتذكرها الناس فيه.

ولعل أجمل ما في الفكرة أنها لا تفرض على أحد طريقة معينة للتعبير عن مشاعره، ولا تشترط أن تكون لديه القدرة على شراء هدية أو إعداد مفاجأة. فهناك من يستطيع أن يشتري باقة ورد، وهناك من لا يملك سوى دعوة صادقة، أو رسالة قصيرة، أو ابتسامة تخفف عن إنسان أثقلته الهموم.

وكلاهما يستطيع أن يمنح الحب معناه الحقيقي.

وقد لا يتفق الجميع على أهمية تخصيص يوم للاحتفال بالمحبة، فالبعض يرى أن الحب يجب أن يكون حاضرًا طوال العام، وهذا صحيح في جوهره. لكن وجود مناسبة تذكّرنا بقيمة نغفل عنها أحيانًا لا ينتقص منها، بل قد يكون فرصة لإعادة ترتيب أولوياتنا والاقتراب ممن ابتعدنا عنهم دون قصد.

فالمشكلة ليست في أن نحتفل يومًا، وإنما في أن ننسى بقية الأيام.

عيد الحب المصري.. حكاية يوم اختار فيه المصريون أن ينتصروا للمحبة وسط زحام الحياة
عيد الحب

في عيد الحب المصري.. ماذا لو بدأنا بأنفسنا؟

تخيلوا معي أن يحتفل كل شخص بهذا اليوم بطريقته الخاصة، دون تكلف أو مصروفات زائدة.

أن يتصل ابن بأمه ويسألها عن يومها، لا عن طلب يحتاجه منها. أن يزور شخص صديقًا انقطعت أخباره منذ شهور. أن يعتذر زوج لزوجته عن كلمة قاسية قالها وقت الغضب، وأن تمنح زوجة شريك حياتها لحظة تقدير بعيدًا عن قائمة المسؤوليات اليومية.

أن يقترب الأب من أبنائه ويسمعهم دون أحكام مسبقة، وأن يتذكر الأبناء أن والديهم يحتاجون إلى الحنان مثلما يحتاجون إليه وهم صغار. وأن نتعلم جميعًا أن الاعتذار لا يقلل من كرامتنا، وأن التسامح ليس ضعفًا، وأن الاعتراف بفضل الآخرين لا ينتقص من مكانتنا.

وإذا كان بيننا شخص وحيد، أو مريض، أو يمر بأزمة لا يعرف كيف يتحدث عنها، فلنجعل من وجودنا بجواره هدية لا تحتاج إلى غلاف أنيق.

قد لا نستطيع حل جميع مشكلات من نحب، لكننا نستطيع على الأقل ألا نتركهم يواجهونها وحدهم.

عيد الحب المصري.. حكاية يوم اختار فيه المصريون أن ينتصروا للمحبة وسط زحام الحياة
أسرة

رسالة من القلب

وأنا أكتب عن هذه المناسبة، أتساءل: كم علاقة جميلة فقدناها بسبب العناد؟ وكم كلمة حلوة احتفظنا بها في قلوبنا حتى أصبح قولها متأخرًا؟ وكم مرة انتظرنا أن يبدأ الطرف الآخر بالاهتمام، بينما كان هو أيضًا ينتظر منا الخطوة نفسها؟

الحياة أقصر من أن نقضيها في الخصام، وأثمن من أن نستهلكها في إثبات من المخطئ ومن المصيب في كل مرة. ليس معنى ذلك أن نتنازل عن حقوقنا أو نقبل الأذى، ولكن أن نعرف متى نتمسك بما يستحق، ومتى نترك مساحة للتفاهم، ومتى يكون البعد عن الأذى ضرورة، ومتى يكون الصلح بداية جديدة تستحق المحاولة.

في عيد الحب المصري، لا أريد أن أقول للناس اشتروا الهدايا، بل أقول لهم: انتبهوا إلى قلوب بعضكم. لا تنتظروا مناسبة حتى تطمئنوا على شخص تحبونه، ولا تؤجلوا كلمة طيبة لأنكم تظنون أن الفرصة ستظل متاحة دائمًا.

الحب ليس يومًا في التقويم، بل أسلوب حياة. هو أن نترك وراءنا أثرًا طيبًا، وأن يشعر الناس بوجودنا دون خوف، وأن نتذكر أن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان للإنسان ليس شيئًا يُشترى، وإنما شعور صادق بأنه ليس وحده.

كل عام والمحبة أقرب إلى قلوبنا، وكل عام ونحن أكثر رحمة وتسامحًا ووفاءً لمن يستحقون الحب.

زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇

https://www.facebook.com/share/1E1vf9aMos/?mibextid=wwXIfr

دنيا أحمد

محرر صحفي