في الرابع من نوفمبر، تحل ذكرى ميلاد البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، الذي وُلد في مثل هذا اليوم عام 1952، ليبدأ رحلة حياة حملت الكثير من المحطات الإنسانية والعلمية والروحية، وانتهت به إلى واحد من أبرز المناصب الدينية في مصر، وهو قيادة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
واسمه قبل الرهبنة هو وجيه صبحي باقي سليمان، وقد وُلد في مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، ونشأ في أسرة مصرية، كان والده يعمل مهندس مساحة، وتنقلت الأسرة في حياتها بين عدد من المدن المصرية، من بينها المنصورة وسوهاج ودمنهور.
ومع حلول ذكرى ميلاد البابا تواضروس الثاني، تعود الأنظار إلى مسيرته التي جمعت بين الدراسة العلمية والعمل الكنسي والخدمة الرعوية، وصولًا إلى توليه الكرسي البابوي، في مرحلة مهمة من تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
النشأة والبدايات.. طفولة ارتبطت بالكنيسة والتعليم
لم تكن نشأة البابا تواضروس الثاني بعيدة عن الأجواء الكنسية، فقد نشأ في أسرة ترتبط بالكنيسة، وكان للبيئة العائلية دور في تكوين شخصيته واهتمامه بالحياة الروحية منذ سنواته الأولى.
وبحسب سيرته الذاتية المنشورة على الموقع الرسمي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فإن اسمه الأصلي هو وجيه صبحي باقي سليمان، وُلد في المنصورة في 4 نوفمبر 1952، وله شقيقتان تصغرانه، وكان والده مهندسًا ووالدته ربة منزل.
تنقلت الأسرة خلال طفولته بين عدد من المدن، وهو ما أتاح له التعرف على بيئات اجتماعية مختلفة، واستمرت علاقته بالكنيسة منذ الصغر، بالتوازي مع اهتمامه بالتعليم والتحصيل العلمي.

من كلية الصيدلة إلى العمل في مجال الأدوية
اختار وجيه صبحي طريق الدراسة العلمية، فالتحق بجامعة الإسكندرية، وحصل على بكالوريوس الصيدلة عام 1975، ثم واصل دراسته في مجال تخصصه، وحصل عام 1979 على منحة لدراسة دبلومة الصيدلة الصناعية من جامعة الإسكندرية.
ولم تتوقف طموحاته عند الحصول على الشهادة الجامعية، بل اتجه إلى العمل واكتساب الخبرات المهنية، حيث عمل في إحدى شركات الأدوية التابعة لوزارة الصحة بمدينة دمنهور، وتدرج في عمله حتى أصبح مديرًا لها.
وخلال سنوات عمله، جمع بين الخبرة العملية والاهتمام بالدراسة الدينية، فالتحق بالكلية الإكليريكية بالإسكندرية، وحصل على بكالوريوس الكلية عام 1983.
وفي عام 1985 حصل على زمالة من منظمة الصحة العالمية من خلال المعهد البريطاني للصحة الدولية، كما درس إدارة الأعمال في سنغافورة عام 1999، لتصبح خلفيته العلمية والمهنية متعددة الجوانب.
وتكشف هذه المرحلة عن جانب مهم من شخصيته، وهو الجمع بين الدراسة الأكاديمية والخدمة المجتمعية، قبل اتخاذ القرار الذي غيّر مسار حياته بالكامل.
قرار الرهبنة.. محطة فارقة في حياته
رغم النجاح الذي حققه في مجال الصيدلة والعمل الإداري، ظل الاتجاه إلى الحياة الرهبانية حاضرًا في وجدانه، حتى قرر ترك العمل والتفرغ للحياة الديرية والخدمة الكنسية.
وفي 20 أغسطس 1986، دخل دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون طالبًا الرهبنة، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته قائمة على التأمل والعبادة والتكريس.
وبعد عامين، وتحديدًا في 31 يوليو 1988، تمت رسامته راهبًا باسم الراهب ثيؤدور الأنبا بيشوي، ثم رُسم قسًا في 23 ديسمبر 1989.
وفي 15 فبراير 1990، بدأ خدمته في إيبارشية البحيرة، تحت رعاية الأنبا باخوميوس، مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية آنذاك.
وخلال سنوات خدمته، اهتم بالعمل الرعوي والتواصل مع الشباب، وشارك في أنشطة تعليمية وكنسية، كما ارتبط اسمه بالاهتمام بالتربية الكنسية وخدمة الأطفال، وهي جوانب ظلت حاضرة في مسيرته اللاحقة.

من الأسقفية إلى خدمة الشباب والكنيسة
جاءت محطة جديدة في مسيرته يوم 15 يونيو 1997، عندما رسمه البابا شنودة الثالث أسقفًا عامًا، ليبدأ مرحلة أوسع من المسؤوليات الكنسية.
وتولى مسؤوليات تتعلق بخدمة الشباب، كما اهتم بقضايا الطفولة، وشارك في أعمال لجان المجمع المقدس المعنية بالطفل، إلى جانب دوره في الأنشطة التعليمية والروحية.
وكان اهتمامه بالشباب أحد الجوانب البارزة في تجربته، حيث ارتبطت خدمته بفكرة بناء الوعي الديني والإنساني لدى الأجيال الجديدة، والاهتمام بتكوين الشخصية منذ الطفولة.
كما امتدت خبراته إلى مجال التأليف، إذ كتب عددًا من الكتب في الموضوعات الكنسية والروحية، وقدم محاضرات في عدد من الجامعات والمؤسسات داخل مصر وخارجها.
البابا تواضروس الثاني.. كيف وصل إلى الكرسي البابوي؟
كان يوم 4 نوفمبر 2012 يومًا استثنائيًا في حياة البابا تواضروس الثاني، فقد تزامن مع عيد ميلاده الستين، وشهد اختياره بابا للإسكندرية وبطريركًا للكرازة المرقسية، ليصبح البابا رقم 118 في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
وجاء اختياره من خلال القرعة الهيكلية، بعد وصول ثلاثة مرشحين إلى المرحلة النهائية، وهي الآلية الكنسية التي جرى من خلالها الاختيار، في مشهد حمل دلالات دينية وتاريخية لأبناء الكنيسة.
وهكذا اجتمع في يوم واحد حدثان مهمان في حياته؛ الاحتفال بعيد ميلاده، وبداية مرحلة جديدة من المسؤولية الكنسية، ليصبح اسمه مرتبطًا بقيادة واحدة من أقدم الكنائس في العالم.
وفي 18 نوفمبر 2012، جرت مراسم تجليسه في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية في القاهرة، بحضور عدد كبير من القيادات الكنسية والشخصيات العامة وممثلي الكنائس.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح مسؤولًا عن قيادة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، خلفًا للبابا شنودة الثالث، في مرحلة حملت العديد من التحديات والتغيرات على المستويين المحلي والدولي.
ذكرى ميلاد البابا تواضروس الثاني.. يوم ارتبط بعيد الاختيار
من المفارقات اللافتة في حياة البابا تواضروس الثاني أن يوم ميلاده أصبح أيضًا يوم اختياره للكرسي البابوي؛ ففي 4 نوفمبر 2012، اختير بالقرعة الهيكلية ليكون البطريرك رقم 118، وهو اليوم الذي أتم فيه عامه الستين.
ويحمل هذا التوافق بين التاريخين دلالة خاصة في سيرته، إذ تحولت مناسبة ميلاده من ذكرى شخصية إلى محطة تاريخية في مسيرته الكنسية، لتبدأ بعدها مسؤولية قيادة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ورعاية أبنائها في مصر ومختلف دول العالم.
شعار المحبة.. رسالة تحمل معنى إنسانيًا
اختار البابا تواضروس الثاني شعارًا يلخص جانبًا من رؤيته الروحية والإنسانية، وهو «المحبة لا تسقط أبدًا»، المأخوذ من رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس، الإصحاح الثالث عشر.
ويعكس هذا الشعار قيمة المحبة باعتبارها أساسًا للتعامل الإنساني، وأحد المبادئ التي تقوم عليها العلاقات بين أفراد المجتمع، كما يبرز أهمية التسامح والتواصل والتعايش بين البشر.
وتظل المحبة من القيم التي تتجاوز الاختلافات الدينية والاجتماعية، وتؤكد أن بناء المجتمعات لا يقوم على الخلاف، وإنما على الاحترام المتبادل والتعاون والعمل المشترك.
مسيرة علمية وروحية صنعت شخصية قيادية
عند استعراض مسيرة البابا تواضروس الثاني، نجد أنها لم تكن طريقًا تقليديًا، فقد بدأ حياته بالدراسة العلمية، ونجح في مجال الصيدلة والإدارة، ثم اتخذ قرارًا بالتفرغ للحياة الرهبانية، قبل أن يتدرج في المسؤوليات الكنسية حتى وصل إلى منصب البابا.
وتكشف هذه الرحلة عن تنوع الخبرات التي اكتسبها خلال مراحل حياته المختلفة، بداية من الدراسة الجامعية والعمل المهني، مرورًا بالتكوين الروحي والخدمة الرعوية، وصولًا إلى المسؤولية البابوية.
كما أن اهتمامه بالتعليم وخدمة الشباب والطفولة ظل جزءًا مهمًا من سيرته، إلى جانب مشاركته في العمل الكنسي والتأليف وإلقاء المحاضرات.
وفي ذكرى ميلاده، تستعيد الكنيسة ومحبوها محطات هذه الرحلة التي بدأت في مدينة المنصورة، وامتدت إلى دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون، ثم إلى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، لتصبح سيرة شخصية ارتبط اسمها بتاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المعاصر.

خاتمة
في ذكرى ميلاد البابا تواضروس الثاني، نستعيد حكاية وجيه صبحي باقي سليمان، الذي انتقل من عالم الصيدلة إلى الحياة الرهبانية، ومن خدمة الشباب إلى قيادة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، في رحلة حملت الكثير من التحولات والمحطات المهمة.
فالرابع من نوفمبر ليس مجرد تاريخ ميلاد، بل هو أيضًا اليوم الذي اختير فيه عام 2012 ليكون البابا رقم 118، لتظل هذه المصادفة واحدة من أبرز المحطات التي تميز سيرته.
زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr




