تحل في 23 أغسطس ذكرى وفاة سعد زغلول، أحد أبرز الزعماء السياسيين في تاريخ مصر الحديث، وقائد ثورة 1919، وزعيم الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال، وأحد مؤسسي حزب الوفد. رحل الزعيم في 23 أغسطس 1927، بعد مسيرة سياسية وفكرية امتدت لعقود، شغل خلالها مناصب مهمة، من بينها رئاسة مجلس الوزراء ورئاسة مجلس النواب، وترك وراءه حضورًا بارزًا في الحياة السياسية المصرية. وتؤكد مصادر حكومية مصرية أن وفاته كانت في هذا التاريخ، بينما تختلف بعض المراجع في تحديد سنة ميلاده بين 1858 و1859.
نشأة سعد زغلول وتعليمه في الأزهر
وُلد سعد زغلول في قرية إبيانة، التابعة لمركز فوه بمحافظة كفر الشيخ حاليًا، ونشأ في أسرة ريفية كان والده من أعيان القرية. فقد والده وهو في سن مبكرة، فتولى أفراد أسرته رعايته، وبدأ تعليمه في كتاب القرية، حيث تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم.
وفي عام 1873 التحق بالأزهر الشريف، وهناك تلقى علومه على يد عدد من كبار العلماء، وتأثر بصورة خاصة بالشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني. ولم يكن تأثيرهما عليه دينيًا وفكريًا فقط، بل امتد إلى رؤيته للإصلاح والمجتمع والسياسة، وهو ما ظهر لاحقًا في مواقفه الوطنية.
عمل بعد ذلك في الصحافة، وشارك مع الشيخ محمد عبده في تحرير جريدة «الوقائع المصرية»، ثم اتجه إلى دراسة القانون والعمل بالمحاماة والقضاء. وتدرج في المناصب حتى أصبح من الشخصيات البارزة في الدولة، وتولى لاحقًا وزارة المعارف ثم وزارة الحقانية، قبل أن ينتقل بصورة أكبر إلى العمل السياسي.

سعد زغلول من العمل السياسي إلى قيادة الحركة الوطنية
لم تكن مشاركة سعد زغلول في الحياة العامة مقتصرة على المناصب الحكومية، فقد كان حاضرًا في العديد من القضايا التي شغلت المجتمع المصري في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
وكان من المشاركين في الحركة الداعية إلى إنشاء الجامعة المصرية، إلى جانب عدد من الشخصيات الفكرية والوطنية، كما ارتبط اسمه بالدفاع عن قضايا الإصلاح الاجتماعي والثقافي. وتشير المصادر الرسمية إلى مساهمته في الحملة العامة لإنشاء الجامعة المصرية، كما كان من الشخصيات التي شاركت في وضع حجر الأساس لها.
كما ساهم في تأسيس النادي الأهلي وتولى رئاسته، في وقت كانت فيه المؤسسات الوطنية والثقافية والاجتماعية تلعب دورًا مهمًا في تشكيل الوعي العام داخل المجتمع المصري.
ومع تصاعد الحركة الوطنية بعد الحرب العالمية الأولى، أصبح أكثر ارتباطًا بالمطالبة بإنهاء الحماية البريطانية وتحقيق الاستقلال، لتبدأ مرحلة جديدة في حياته السياسية.
ثورة 1919.. اللحظة الفارقة في تاريخ الزعيم
ارتبط اسم سعد زغلول بصورة وثيقة بثورة 1919، بعدما أصبح أحد أبرز رموز الحركة الوطنية المصرية في مواجهة الاحتلال البريطاني.
بدأت الأحداث عندما سعى الوفد المصري إلى السفر لعرض القضية المصرية والمطالبة بالاستقلال، لكن السلطات البريطانية رفضت السماح للوفد بتمثيل المصريين في مؤتمر الصلح، ثم ألقت القبض على سعد زغلول وعدد من رفاقه ونفتهم إلى جزيرة مالطا في مارس 1919.
وأدى اعتقال الزعيم ونفيه إلى اشتعال الاحتجاجات في مختلف أنحاء مصر، وخرج الطلاب والعمال والفلاحون والموظفون في مظاهرات واسعة، لتتحول الاحتجاجات إلى ثورة شعبية امتدت إلى المدن والقرى. وكانت ثورة 1919 واحدة من أهم المحطات التي أعادت تشكيل الحياة السياسية المصرية وأكدت قوة الحركة الوطنية.
وبعد تصاعد الثورة، اضطرت السلطات البريطانية إلى الإفراج عن سعد زغلول ورفاقه، ثم سُمح للوفد بالسفر إلى مؤتمر الصلح في باريس لعرض القضية المصرية، إلا أن المفاوضات لم تحقق الاستقلال الذي كان المصريون يطمحون إليه.
تأسيس حزب الوفد وصعوده سياسيًا
بعد عودته إلى مصر، واصل سعد زغلول قيادة الحركة الوطنية، وأصبح حزب الوفد أحد أهم القوى السياسية في البلاد. ونجح الحزب في تحقيق فوز كبير في الانتخابات البرلمانية عام 1923، وتولى سعد زغلول رئاسة الوزراء في يناير 1924.
ولم تستمر حكومته طويلًا، إذ استقال في نوفمبر من العام نفسه، لكنه واصل نشاطه السياسي ودفاعه عن الدستور والحياة النيابية. وظل حزب الوفد قوة سياسية مؤثرة في الشارع المصري، كما استمر الزعيم في مواجهة خصومه السياسيين والقصر والسلطات البريطانية.
وفي عام 1927 حقق الوفد أغلبية برلمانية جديدة، وانتُخب سعد زغلول رئيسًا لمجلس النواب، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى وفاته.

سعد زغلول وبيت الأمة.. رمز الحركة الوطنية
ارتبط اسم الزعيم الراحل كذلك بـ«بيت الأمة»، المنزل الذي أصبح واحدًا من أبرز الرموز المرتبطة بالحركة الوطنية المصرية. ولم يكن البيت مجرد مسكن عائلي، وإنما تحول إلى مركز للحركة السياسية والاجتماعات واللقاءات، وأصبح مع مرور الوقت رمزًا للحياة الوطنية في تلك المرحلة.
وكانت الجماهير تتوافد إلى بيت الأمة للتعبير عن تأييدها للزعيم، كما ارتبط المنزل بزوجته صفية زغلول، التي عُرفت بلقب «أم المصريين»، وكان لها حضور بارز في الحركة الوطنية إلى جانبه.
وتوضح وثائق وزارة الثقافة والفنون المصرية أن مجلس الوزراء قرر عقب وفاة الزعيم تخليد ذكراه، ومن بين القرارات شراء بيت الأمة وضمّه إلى الأملاك العامة مع الإبقاء على اسمه، إلى جانب تشييد مدفن للزعيم.
الحياة السياسية لسعد زغلول والصراعات مع القصر
لم تكن مسيرة سعد زغلول السياسية خالية من الخلافات، فقد دخل في صراعات متعددة مع الملك فؤاد ومع الأحزاب المنافسة، كما واجه ضغوطًا سياسية متواصلة بسبب مواقفه من الدستور والاستقلال.
وبعد استقالته من رئاسة الوزراء، استمر في العمل السياسي من خلال البرلمان وحزب الوفد، وخاض معارك سياسية حول شكل الحكم والحياة النيابية وحدود تدخل القصر في الشأن السياسي.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن تجربته السياسية كانت محل تقييمات مختلفة بين المؤرخين، فبينما اعتبره أنصاره رمزًا للحركة الوطنية والاستقلال، تناول بعض المؤرخين كذلك عددًا من السياسات والمواقف التي اتخذتها حكومته بالنقد والتحليل. وهذا التباين يعكس حجم التأثير الذي تركه الزعيم في الحياة السياسية المصرية.
وفاة سعد زغلول في 23 أغسطس 1927
في سنواته الأخيرة تدهورت الحالة الصحية للزعيم، واشتدت عليه وطأة المرض، بينما ظل بيته مقصدًا للسياسيين والنواب والمواطنين الذين كانوا يتابعون أخباره.
وفي مساء الثلاثاء 23 أغسطس 1927، توفي في بيت الأمة بالقاهرة عن عمر ناهز 68 عامًا. وتوثق مصادر فنية وحكومية تفاصيل الساعات الأخيرة من حياته، مشيرة إلى أن المرض لم يمهله طويلًا، وأن خبر وفاته أحدث حالة واسعة من الحزن في الشارع المصري.
وشُيع جثمانه في اليوم التالي إلى مقابر الإمام الشافعي، وسط جنازة ضخمة شارك فيها عدد كبير من الوزراء والنواب والسياسيين والمواطنين. وبقي جثمانه هناك لسنوات، قبل أن يُنقل لاحقًا إلى الضريح الذي شُيد خصيصًا له بالقرب من بيت الأمة.
نقل جثمانه إلى الضريح وتخليد ذكراه
بعد مرور نحو تسع سنوات على وفاته، نُقل جثمان الزعيم من مقابر الإمام الشافعي إلى الضريح الذي أُقيم له بالقرب من بيت الأمة، وذلك في احتفال رسمي وشعبي كبير يوم 19 يونيو 1936.
وشارك في مراسم نقل الجثمان عدد كبير من رجال الدولة وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ وأنصار الحركة الوطنية، وتحولت المناسبة إلى مشهد جديد لاستعادة رمزية الزعيم في الذاكرة المصرية.
وبمرور الزمن، أصبح ضريح سعد زغلول وبيت الأمة من أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ الحركة الوطنية المصرية، وظل المكان شاهدًا على مرحلة سياسية مهمة من تاريخ البلاد.
ذكرى وفاة سعد زغلول واستمرار حضوره في التاريخ المصري
تمثل ذكرى وفاة سعد زغلول مناسبة لاستعادة مرحلة شديدة الأهمية من تاريخ مصر، شهدت تصاعد الحركة الوطنية والمطالبة بالاستقلال، وظهور الحياة الحزبية والبرلمانية بصورة أكثر تأثيرًا.
ورغم مرور عقود طويلة على رحيله، ما زال اسمه حاضرًا في الكتب والمراجع والميادين والشوارع والمؤسسات التي ارتبطت بالحركة الوطنية. كما ظل «بيت الأمة» والضريح شاهدين على مرحلة كان فيها العمل السياسي جزءًا أساسيًا من معركة المصريين من أجل بناء دولة حديثة.
وتبقى تجربة الزعيم محل دراسة ونقاش بين المؤرخين، سواء فيما يتعلق بدوره في ثورة 1919 أو تجربته في الحكم ورئاسته للبرلمان وعلاقته بالقصر والاحتلال البريطاني.
خاتمة
في ذكرى وفاة سعد زغلول، يعود إلى الواجهة اسم أحد أبرز الشخصيات التي ارتبطت بتاريخ مصر السياسي في النصف الأول من القرن العشرين. فقد انتقل من طالب بالأزهر وصحفي ومحامٍ إلى أحد أهم قادة الحركة الوطنية، وقاد حزب الوفد وتولى رئاسة الحكومة والبرلمان، وظل حتى رحيله حاضرًا في قلب المشهد السياسي المصري. ويبقى إرثه التاريخي جزءًا من ذاكرة مصر الحديثة، بما حمله من إنجازات وصراعات ومواقف ما زالت محل دراسة حتى اليوم.
زوروا صفحتنا على الفيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/19EiFX69qi/?mibextid=wwXIfr




