أعلن وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان أن السعودية اكتشفت موارد تقديرية تصل إلى نحو 110 ملايين طن من الخام الذي يحتوي على تركيزات من اليورانيوم والمعادن الأرضية النادرة، وذلك في مشروع جبل صايد بمنطقة المدينة المنورة، في تطور يعكس توجه المملكة نحو الاستفادة من ثرواتها التعدينية وتعزيز دورها في قطاعات الطاقة والمعادن الاستراتيجية.
وجاء الإعلان خلال كلمة ألقاها وزير الطاقة أمام الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، المنعقدة في العاصمة النمساوية فيينا خلال الفترة من 14 إلى 18 سبتمبر 2026، بمشاركة ممثلين عن 181 دولة عضوًا في الوكالة، حيث استعرض ملامح الاستراتيجية السعودية في مجالات الطاقة النووية واستكشاف الموارد المعدنية وتطوير الصناعات المرتبطة بها.
السعودية تتجه نحو مزيج طاقة متنوع
أكد الأمير عبدالعزيز بن سلمان أن السعودية تمضي في بناء مزيج وطني متنوع ومستدام للطاقة، يتضمن الطاقة النووية إلى جانب مصادر الطاقة الأخرى، مشددًا على أن هذا التوجه يجري ضمن إطار تنظيمي يتوافق مع التزامات المملكة الدولية ومعايير الأمن والأمان والضمانات النووية.
ويأتي التوجه نحو تنويع مصادر الطاقة في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة وتنويع مكونات الاقتصاد الوطني، مع الاستفادة من الإمكانات المتاحة في مجالات الطاقة والمعادن والتقنيات المرتبطة بها.
وأوضح وزير الطاقة أن المملكة تمتلك ثروات معدنية متنوعة تشمل الفوسفات والذهب والنحاس والزنك والفضة والبوكسايت والمغنيسيوم وخام الحديد والرصاص والنيكل، بالإضافة إلى المعادن الأرضية النادرة واليورانيوم.
وأشار إلى أن العمل يتركز على تعظيم القيمة الاقتصادية والصناعية لهذه الموارد، بما يسهم في تطوير الصناعات المحلية وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد العالمية الخاصة بالمعادن الاستراتيجية والحرجة.

موارد اليورانيوم في مشروع جبل صايد
وكشف الأمير عبدالعزيز بن سلمان أن المشروع الوطني للطاقة الذرية ينفذ برنامجًا متكاملًا لاستكشاف موارد اليورانيوم، يعتمد على مسارين رئيسيين للاستفادة من الإمكانات الموجودة في المملكة.
ويتمثل المسار الأول في استخلاص اليورانيوم المصاحب لحمض الفوسفوريك الناتج عن صناعة الأسمدة الفوسفاتية في شمال المملكة، مستفيدة من مكانتها كواحدة من أكبر منتجي ومصدري الأسمدة الفوسفاتية على المستوى العالمي.
وأوضح الوزير أن التجارب التي نُفذت بالتعاون مع شركة «أورانو» الفرنسية أظهرت مؤشرات اقتصادية واعدة، في وقت تطورت فيه الشراكة بين الجانبين إلى توقيع مذكرة تفاهم خلال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا في أغسطس الماضي.
أما المسار الثاني فيتعلق بالمصادر التقليدية لليورانيوم، ومن بينها مشروع جبل صايد، الذي أظهرت الدراسات الجيولوجية المرتبطة به وجود موارد تقديرية تبلغ نحو 110 ملايين طن من الخام الذي يحتوي على تركيزات مرتفعة من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، إلى جانب مؤشرات واعدة على وجود اليورانيوم.
ويعزز هذا الاكتشاف أهمية المشروع من الناحية التعدينية، في ظل تنامي الاهتمام العالمي بالمعادن الأرضية النادرة واستخداماتها المتعددة في الصناعات الحديثة والتقنيات المتقدمة.
أهمية المعادن الأرضية النادرة للاقتصاد السعودي
يمثل التركيز على المعادن الأرضية النادرة واليورانيوم جزءًا من مساعي السعودية لتوسيع الاستفادة من ثرواتها الطبيعية وعدم الاكتفاء بإنتاج المواد الخام وتصديرها.
وتكتسب العناصر الأرضية النادرة أهمية متزايدة على المستوى العالمي بسبب دخولها في صناعات وتقنيات متعددة، من بينها الصناعات الإلكترونية والطاقة المتجددة والتقنيات المتقدمة، وهو ما يجعل امتلاك موارد منها وتطوير قدرات معالجتها خطوة ذات أهمية استراتيجية.
ومن هذا المنطلق، تسعى المملكة إلى تطوير منظومة متكاملة تبدأ بعمليات الاستكشاف والتعدين، ثم تنتقل إلى مراحل المعالجة والفصل والإنتاج، بما يسمح بتحقيق قيمة اقتصادية أكبر من الموارد الموجودة داخل أراضيها.
كما يمكن لتطوير هذه الموارد أن يساهم في تعزيز موقع المملكة ضمن سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الحرجة، خصوصًا مع ارتفاع الطلب الدولي على المواد اللازمة للصناعات التكنولوجية والطاقة.

تعاون سعودي أمريكي في المعادن الحرجة
وأشار وزير الطاقة إلى أن التعاون السعودي الأمريكي في مجال المعادن الحرجة، والذي انطلق خلال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة في نوفمبر الماضي، أسفر عن شراكات صناعية تهدف إلى تطوير قدرات معالجة وفصل العناصر الأرضية النادرة.
وتشمل هذه الشراكات شركة «معادن» السعودية وشركة «إم بي ماتيريال» الأمريكية، في إطار جهود تستهدف تطوير الصناعات المرتبطة بالمعادن الاستراتيجية وتعزيز القدرات المحلية في مجال المعالجة والإنتاج.
ويعكس هذا التعاون توجه المملكة نحو بناء شراكات دولية لا تقتصر على عمليات الاستكشاف أو استخراج الموارد، وإنما تمتد إلى مراحل أكثر تقدمًا في سلسلة القيمة الصناعية.
وتسعى الرياض من خلال هذه الشراكات إلى الاستفادة من الخبرات والتقنيات العالمية، مع تطوير قدراتها المحلية في معالجة المعادن وفصل العناصر الأرضية النادرة وإنتاج المواد التي تدخل في صناعات استراتيجية.
من استخراج الخام إلى سلسلة قيمة متكاملة
وأكد الأمير عبدالعزيز بن سلمان أن طموح المملكة يتجاوز مجرد تصدير المواد الخام، موضحًا أن الهدف يتمثل في بناء سلسلة قيمة صناعية متكاملة تبدأ من الاستكشاف والتعدين وتمتد إلى مراحل المعالجة والإنتاج.
وتشمل هذه الرؤية إنتاج أكاسيد العناصر الأرضية النادرة والكعكة الصفراء، بما يتيح تحقيق قيمة مضافة أكبر للاقتصاد الوطني بدلًا من الاعتماد على تصدير الموارد في صورتها الأولية.
وتتطلب هذه الاستراتيجية تطوير بنية صناعية وتقنية متقدمة، إلى جانب الاستثمار في عمليات البحث والاستكشاف والتقنيات الحديثة المستخدمة في استخراج المعادن ومعالجتها.
كما أن بناء سلسلة إنتاج متكاملة يمكن أن يدعم فرص الاستثمار في قطاعات صناعية جديدة، ويوفر فرصًا لتوطين المعرفة والخبرات المتعلقة بالتعدين والمعالجة، فضلًا عن تعزيز مكانة المملكة كمركز إقليمي لصناعات المعادن الاستراتيجية.
الطاقة النووية ضمن الاستراتيجية السعودية
يرتبط استكشاف اليورانيوم في المملكة كذلك بالتوجه نحو تطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، حيث أكد وزير الطاقة أن المملكة تعمل على تنفيذ برنامجها النووي ضمن إطار يراعي الالتزامات الدولية ومعايير الأمن والأمان والضمانات النووية.
وتسعى المملكة إلى إدخال الطاقة النووية ضمن مزيج الطاقة الوطني، بالتوازي مع تطوير مصادر الطاقة الأخرى، في إطار توجه يستهدف تنويع منظومة الطاقة وتعزيز استدامتها على المدى الطويل.
ويأتي استكشاف موارد اليورانيوم ليشكل أحد المكونات المرتبطة بهذا التوجه، إلى جانب الاستفادة من الإمكانات التعدينية الموجودة في المملكة وتطوير الصناعات التي يمكن أن تنشأ حولها.
وشدد الأمير عبدالعزيز في ختام كلمته على أن المملكة تمارس حقها في تطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وهو حق مكفول للدول الأعضاء في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مؤكدًا أن البرنامج السعودي يقوم على الشفافية والانفتاح والتعاون الدولي.
السعودية تعزز حضورها في سوق المعادن الاستراتيجية
ويعكس الإعلان عن موارد جبل صايد توجهًا متزايدًا نحو تحويل الثروة المعدنية إلى عنصر أساسي في الاقتصاد السعودي، خصوصًا مع تزايد أهمية المعادن الاستراتيجية عالميًا.
ومن شأن تطوير موارد اليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة أن يفتح المجال أمام استثمارات جديدة في قطاعات التعدين والمعالجة والصناعات المرتبطة بها، كما يمكن أن يعزز قدرة المملكة على المشاركة بصورة أكبر في سلاسل الإمداد العالمية.
وتعمل السعودية في هذا الإطار على الجمع بين مواردها الطبيعية والشراكات الدولية والتقنيات الحديثة، بهدف الانتقال من مرحلة اكتشاف الموارد إلى مرحلة تطويرها وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية وصناعية أعلى.
ويشكل مشروع جبل صايد أحد أبرز المؤشرات على هذا التوجه، خاصة مع تقديرات الموارد التي تصل إلى 110 ملايين طن من الخام، وما أظهرته الدراسات من مؤشرات على وجود اليورانيوم وتركيزات مرتفعة من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة.
وفي ضوء هذه التطورات، تواصل السعودية العمل على تطوير مواردها المعدنية والطاقة النووية السلمية ضمن استراتيجية تستهدف تنويع الاقتصاد، وتعزيز القيمة المضافة محليًا، ودعم قدرتها على الدخول في سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الاستراتيجية والحرجة.
زوروا موقعنا على الفيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/1F3VGfJ5K8/?mibextid=wwXIfr




