عالم الفن

رجاء عبده.. صاحبة الصوت العذب ونجمة الزمن الجميل التي جمعت بين التمثيل والغناء

ارتبط اسم الفنانة رجاء عبده بواحدة من أجمل مراحل الفن المصري، حين كانت السينما تجمع بين الحكاية والموسيقى والطرب، واستطاعت بصوتها المميز وموهبتها الفنية أن تحجز لنفسها مكانة خاصة بين نجمات جيلها. وفي ذكرى ميلاد رجاء عبده، التي وُلدت في 3 نوفمبر 1919، نستعيد مشوار فنانة جمعت بين التمثيل والغناء، وتركت بصمة في ذاكرة محبي السينما القديمة، قبل أن ترحل عن عالمنا في 13 يناير 1999.

لم تكن رجاء عبده مجرد وجه سينمائي يظهر في الأفلام، بل كانت صاحبة موهبة غنائية جعلتها واحدة من الفنانات اللاتي جمعن بين أكثر من مجال فني، في زمن كانت فيه الأغنية جزءًا أساسيًا من نجاح الأفلام، وكانت الأصوات الجميلة قادرة على صناعة حالة خاصة لدى الجمهور.

رجاء عبده.. من هي مطربة «البوسطجية اشتكوا» التي نافست كبار مطربات زمن الفن الجميل؟

وُلدت الفنانة رجاء عبده في حي شبرا بالقاهرة، واسمها الحقيقي اعتدال جورج عبد المسيح، وبدأت علاقتها بالغناء في سن مبكرة للغاية، حيث ظهرت موهبتها منذ طفولتها، وأصبحت واحدة من الأصوات التي لفتت الأنظار في الإذاعات الأهلية قبل أن تحقق شهرة واسعة في عالم الطرب والسينما.

وكانت نشأتها في أسرة محبة للموسيقى من العوامل التي ساعدت على اكتشاف موهبتها، إذ كان والدها يهتم بالفن والموسيقى، وتعرف على الموسيقار داوود حسني، وهو ما ساعد في فتح الطريق أمام ابنته للغناء، لتبدأ رحلتها الفنية في وقت مبكر، وتخوض تجربة لم تكن سهلة في ظل وجود أسماء غنائية كبيرة ومنافسة قوية على الساحة.

واستطاعت رجاء أن تفرض صوتها وسط جيل ضم أسماء لامعة مثل أم كلثوم وأسمهان وليلى مراد، بفضل أدائها المميز وقدرتها على تقديم الألوان الغنائية المختلفة، لتصبح من المطربات المعروفات في تلك المرحلة.

بداية رجاء عبده الفنية.. صوت صغير يحلم بالنجومية

بدأت رجاء عبده الغناء وهي لم تتجاوز العاشرة من عمرها، من خلال المحطات الإذاعية الأهلية والحكومية، وكانت تقدم الطقاطيق والموشحات، وتمكنت من جذب الانتباه إلى صوتها، حتى أصبحت من المطربات المعروفات في الإذاعة الأهلية.

وفي تلك الفترة، كانت الإذاعة تمثل نافذة مهمة أمام المواهب الغنائية، وكان الوصول إليها خطوة كبيرة نحو الشهرة والانتشار، خاصة في ظل عدم انتشار وسائل الإعلام الحديثة، واعتماد الجمهور على الإذاعة للاستماع إلى المطربين والمطربات.

ومع اتساع شهرتها، بدأت الأسطوانات الغنائية تعرف طريقها إلى صوتها، وتعاقدت معها شركة أوديون لإنتاج أسطوانات تحمل أغنياتها، وهو ما ساعد على انتشار صوتها خارج حدود الإذاعة، ووصوله إلى جمهور أكبر.

وكانت هذه المرحلة بمثابة التأسيس الحقيقي لمشوارها، إذ لم تعتمد على جمال الصوت فقط، بل امتلكت قدرة على أداء الأغنيات الخفيفة والموشحات، والتعامل مع الألحان التي تتطلب إحساسًا وتلقائية.

رجاء عبده.. صاحبة الصوت العذب ونجمة الزمن الجميل التي جمعت بين التمثيل والغناء
رجاء عبده

محمد عبد الوهاب يلتفت إلى موهبتها.. وحلم «الوردة البيضاء»

من المحطات المهمة في حياة رجاء عبده ترشيحها للمشاركة في بطولة فيلم «الوردة البيضاء»، الذي ارتبط باسم الموسيقار محمد عبد الوهاب، بعدما لفت صوتها الانتباه خلال مسابقة لاختيار بطلة للعمل.

وأشاد محمد عبد الوهاب بصوتها، لكن صغر سنها حال دون حصولها على الفرصة في ذلك الوقت، لتظل التجربة واحدة من المحطات التي سبقت انطلاقتها السينمائية الحقيقية.

ولم تنتهِ علاقتها بموسيقار الأجيال عند تلك المحاولة، بل جمعهما العمل لاحقًا في فيلم «ممنوع الحب» عام 1942، وهو العمل الذي مثل نقلة مهمة في مسيرتها، وفتح أمامها أبوابًا أوسع للشهرة.

وكان ظهورها أمام محمد عبد الوهاب فرصة لإظهار موهبتها في التمثيل والغناء معًا، واستطاعت أن تقدم أداءً تلقائيًا لفت انتباه الجمهور، لتصبح واحدة من الوجوه الفنية التي ارتبطت بأفلام تلك المرحلة.

«وراء الستار».. أول ظهور سينمائي ورحلة على الشاشة الكبيرة

دخلت رجاء عبده عالم السينما من خلال فيلم «وراء الستار» عام 1937، للمخرج كمال سليم، وشاركت في العمل إلى جانب عدد من الفنانين، من بينهم تحية كاريوكا وعبد الغني السيد.

وكانت السينما في تلك الفترة تمر بمرحلة مهمة من التطور، وأصبحت الأغنيات عنصرًا أساسيًا في كثير من الأعمال، وهو ما منح المطربات فرصة للجمع بين الظهور السينمائي وتقديم الأغنيات التي تصل إلى الجمهور.

وبعد تجربتها الأولى، شاركت في عدد من الأفلام، ونجحت في تقديم أدوار جمعت بين التمثيل والغناء، ومن أبرز أعمالها «صرخة في الليل» عام 1940، و«ممنوع الحب» عام 1942، و«الأبرياء» عام 1944.

كما شاركت في أفلام «رجاء»، و«ليلة الحظ»، و«المظاهر»، و«الحب الأول» عام 1945، ثم «أصحاب السعادة» عام 1946، و«بياعة اليانصيب» عام 1947، و«ورد شاه» و«ليت الشباب» عام 1948.

وكان فيلم «حبايبي كتير» عام 1950 من المحطات المهمة في مشوارها، وشاركها فيه الفنان كمال الشناوي، وارتبط اسمها بهذا العمل في واحدة من مراحل حضورها السينمائي.

«البوسطجية اشتكوا».. الأغنية التي صنعت حضورًا لا يُنسى

عندما يُذكر اسم رجاء عبده، تتبادر إلى أذهان محبي الطرب القديم أغنيتها الشهيرة «البوسطجية اشتكوا من كتر مراسيلي»، التي أصبحت من أشهر ما قدمته خلال مشوارها الغنائي.

ارتبطت الأغنية بفيلم «الحب الأول» عام 1945، وكتب كلماتها أبو السعود الإبياري، ولحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب، واستطاعت أن تحقق انتشارًا واسعًا بفضل كلماتها الخفيفة ولحنها الجذاب وأداء رجاء المميز.

وقدمت الأغنية نموذجًا للأغنيات التي كانت تجمع بين البساطة والروح المرحة، وتعلق في أذهان المستمعين من المرة الأولى، حتى أصبحت علامة بارزة في تاريخها الفني.

ولم تكن شهرة الأغنية مرتبطة بظهورها داخل الفيلم فقط، بل امتد حضورها إلى الإذاعة، وأصبحت من الأعمال التي يطلبها المستمعون، لتظل مرتبطة باسم صاحبتها رغم مرور سنوات طويلة.

كما قدمت رجاء عبده مجموعة أخرى من الأغنيات، من بينها «يا سلام سلم على جمالك»، و«آن الأوان»، و«حبايبي كتير يحبوني»، و«اشهدوا يا ناس»، وغيرها من الأعمال التي تعكس تنوع تجربتها الغنائية.

رجاء عبده.. صاحبة الصوت العذب ونجمة الزمن الجميل التي جمعت بين التمثيل والغناء
رجاء عبده

رجاء عبده بين المسرح والأوبريتات الغنائية

لم يقتصر مشوار رجاء عبده على الغناء الإذاعي والسينما، بل امتد إلى المسرح الغنائي، الذي كان يمثل أحد أهم أشكال الترفيه والفن في تلك المرحلة.

وشاركت في عدد من الأوبريتات الغنائية، من بينها أوبريت «شهرزاد»، كما قدمت أعمالًا مسرحية، منها «زوبا الكلوباتية»، وأظهرت من خلالها قدرتها على التعامل مع الجمهور مباشرة، والجمع بين الأداء التمثيلي والغنائي.

وكان المسرح يحتاج إلى قدرات مختلفة عن السينما والإذاعة، فهو يتطلب حضورًا مباشرًا وتفاعلًا مستمرًا مع الجمهور، وهو ما أتاح لها مساحة جديدة لإظهار جوانب أخرى من موهبتها.

لماذا ابتعدت رجاء عبده عن الفن لسنوات طويلة؟

رغم النجاح الذي حققته رجاء عبده في بداياتها، فإن مشوارها لم يستمر بالصورة التي كان يتوقعها لها الجمهور، فقد شهدت حياتها الفنية تغيرات عديدة، وبدأ حضورها يتراجع تدريجيًا بعد مرحلة من التألق.

ومن المحطات التي أثرت في مسيرتها فيلم «حبايبي كتير» عام 1950، الذي لم يحقق النجاح المأمول، وتعرضت بسببه لخسائر مالية بعدما شاركت في إنتاجه، وفقًا لما تناولته الكتابات عن حياتها الفنية.

وبعد ذلك ابتعدت عن الأضواء لفترة طويلة، وانشغلت بحياتها الأسرية، وتزوجت من خارج الوسط الفني وأنجبت، لكن حياتها الزوجية لم تستمر، وانتهت بالانفصال بعد سنوات.

وكان ابتعادها عن الساحة الفنية خسارة لجمهور اعتاد الاستماع إلى صوتها ومشاهدة حضورها على الشاشة، خاصة أنها كانت تمتلك مقومات الاستمرار والقدرة على تقديم ألوان فنية متعددة.

العودة الأخيرة إلى السينما والتلفزيون

بعد سنوات من الابتعاد، عادت رجاء عبده إلى السينما من خلال فيلم «كباريه الحياة» عام 1977، وشاركت في العمل إلى جانب عدد من الفنانين، من بينهم مها صبري وفريد شوقي.

لكن العودة لم تحقق لها المكانة نفسها التي عرفتها في سنوات تألقها الأولى، وظهر الفارق بين مرحلة النجومية التي عاشتها في الأربعينيات والخمسينيات والمرحلة التي عادت إليها بعد غياب طويل.

كما شاركت في مسلسل «مع حبي وتقديري»، لتكون لها تجربة في الدراما التلفزيونية، قبل أن تبتعد عن الساحة الفنية وتختفي عن الأضواء.

وفاة رجاء عبده.. نهاية المشوار وبقاء الأغنيات

رحلت الفنانة والمطربة رجاء عبده عن عالمنا يوم 13 يناير 1999، بعد رحلة فنية شهدت محطات من النجاح والتألق والابتعاد، لكنها تركت خلفها أعمالًا لا تزال مرتبطة بذاكرة الطرب والسينما المصرية.

ورغم أن مسيرتها لم تكن طويلة بالقدر الذي يسمح لها بالحفاظ على حضور مستمر أمام الجمهور، فإن بعض أغنياتها استطاعت أن تعيش لعقود، وعلى رأسها «البوسطجية اشتكوا»، التي لا تزال من الأغنيات المعروفة لدى عشاق الزمن الجميل.

ذكرى ميلاد رجاء عبده.. حكاية صوت يستحق أن نتذكره

في ذكرى ميلاد رجاء عبده، لا نستعيد مجرد تاريخ ميلاد فنانة قديمة، بل نتذكر مرحلة فنية كان للصوت الجميل فيها مكانة كبيرة، وكانت الأغنية السينمائية قادرة على صناعة نجومية لا تنسى.

لقد جمعت رجاء بين الغناء والتمثيل والمسرح، ووقفت أمام أسماء كبيرة، واستطاعت أن تترك بصمتها رغم التحديات التي واجهتها خلال مشوارها.

ويبقى اسمها حاضرًا من خلال أغنياتها وأفلامها، لتظل صاحبة «البوسطجية اشتكوا» واحدة من الأصوات التي تستحق أن تعود إلى ذاكرة الجمهور، وأن تتعرف الأجيال الجديدة على حكايتها ومشوارها الفني.

زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇

https://www.facebook.com/share/1F47QC9aCs/?mibextid=wwXIfr

دنيا أحمد

محرر صحفي