مقالات

رسائل لم تصل إلى أصحابها.. ماذا تكشف الأرشيفات التي ظلت مغلقة لعقود وقرون؟ أسرار تاريخية تعود إلى الحياة بعد سنوات طويلة من الصمت

رسائل لم تصل إلى أصحابها..  لم تكن كل الرسائل التي كتبها البشر في الماضي محظوظة بالوصول إلى أصحابها، فبعضها ضاع في طرق البريد، وبعضها احتُجز داخل صناديق مغلقة، بينما بقيت رسائل أخرى حبيسة الأرشيفات لعشرات السنين، تنتظر لحظة الكشف عن أسرارها. واليوم، تعود رسائل لم تصل إلى أصحابها إلى دائرة الاهتمام التاريخي، بعدما تمكن باحثون من العثور على مجموعات نادرة من المراسلات التي لم يقرأها أصحابها، وظلت مغلقة لفترات طويلة، لتكشف تفاصيل غير متوقعة عن الحياة والعلاقات والحروب والمجتمعات القديمة.

وتحمل هذه الوثائق قيمة تتجاوز الكلمات المكتوبة على الورق؛ فهي شهادات إنسانية حقيقية على مشاعر وأحداث ووقائع عاشها أشخاص لم يتخيلوا أن رسائلهم ستتحول يومًا إلى مادة بحثية تساعد الأجيال الجديدة على فهم التاريخ بصورة أكثر قربًا وواقعية.

صندوق بريد من القرن السابع عشر احتفظ بآلاف الرسائل الضائعة

من أبرز القصص التي تكشف أهمية الأرشيفات التاريخية قصة مجموعة رسائل عُرفت باسم مجموعة بريين، وترتبط بمكتب بريد كان يديره الزوجان سيمون دي بريين وماري جيرمان في مدينة لاهاي الهولندية خلال الفترة الممتدة بين عامي 1689 و1707 تقريبًا.

احتفظ الزوجان بآلاف الرسائل التي لم يتمكن البريد من تسليمها إلى أصحابها، سواء بسبب انتقال المرسل إليهم من عناوينهم، أو وفاتهم، أو رفضهم استلام المراسلات، أو تعذر العثور عليهم.

وكان النظام البريدي في ذلك الوقت يختلف عن النظام الحالي، إذ كان مستلم الرسالة يتحمل تكاليف البريد والتوصيل. وإذا لم يتمكن صاحب الرسالة من استلامها أو دفع الرسوم المطلوبة، كانت تظل لدى مكتب البريد.

وبدلًا من التخلص من هذه المراسلات، احتفظ بها الزوجان على أمل أن يعود أصحابها للحصول عليها وسداد الرسوم المستحقة.

وبمرور الزمن، تحول هذا الاحتفاظ إلى كنز تاريخي نادر، يضم نحو 2600 رسالة ومراسلة غير مسلمة، من بينها مئات الرسائل التي ظلت مختومة ولم تُفتح حتى بعد مرور أكثر من ثلاثة قرون.

وتكمن أهمية هذه المجموعة في أنها لا تقدم صورة عن حياة الملوك والسياسيين والشخصيات الشهيرة فقط، بل تفتح نافذة على حياة الناس العاديين، ومشكلاتهم اليومية، وعلاقاتهم العائلية والاجتماعية، وطبيعة التواصل بين المدن الأوروبية في تلك الفترة.

رسائل لم تصل إلى أصحابها.. ماذا تكشف الأرشيفات التي ظلت مغلقة لعقود وقرون؟ أسرار تاريخية تعود إلى الحياة بعد سنوات طويلة من الصمت
رسائل قديمة

رسالة ظلت مغلقة أكثر من 300 عام وكشفت محتواها الأشعة

من أكثر الوقائع إثارة في عالم الأرشيفات التاريخية نجاح فريق دولي من الباحثين عام 2021 في قراءة رسالة تعود إلى القرن السابع عشر، دون فتحها فعليًا أو إتلاف ختمها.

كانت الرسالة جزءًا من مجموعة بريين، وقد أرسلها رجل فرنسي يُدعى جاك سيناك إلى ابن عمه بيير لو بيرس، وهو تاجر فرنسي يقيم في لاهاي، بتاريخ 31 يوليو 1697.

وتضمنت الرسالة طلبًا للحصول على نسخة موثقة من إشعار وفاة شخص يُدعى دانيال لو بيرس.

لكن المثير أن الرسالة ظلت مغلقة لأكثر من ثلاثة قرون، إلى أن استخدم الباحثون تقنية التصوير المقطعي الدقيق بالأشعة السينية، المعروفة باسم X-ray Microtomography، لفحص طبقات الورق والحبر داخلها.

وساعدت التقنية على رصد جزيئات الحديد الموجودة في الحبر المستخدم آنذاك، ثم استعان الفريق بخوارزميات حاسوبية لإعادة بناء طيات الرسالة وقراءتها افتراضيًا، دون الحاجة إلى كسر الأختام أو فرد الورقة بالطريقة التقليدية.

واستغرق تطوير الطريقة الحاسوبية المستخدمة في هذه العملية نحو أربع سنوات، لتصبح التجربة خطوة مهمة في مجال دراسة الوثائق التاريخية وحماية المراسلات النادرة.

واللافت أن هذه التجربة لم تكشف مضمون الرسالة فقط، بل أظهرت أيضًا كيف كان الناس يحمون خصوصية مراسلاتهم قبل انتشار الأظرف البريدية الحديثة، إذ كانوا يطوون الورقة بطريقة تجعلها أشبه بظرف مغلق، ثم يثبتونها باستخدام وسائل خاصة.

رسائل حب وحزن وغضب ظلت حبيسة الأرشيف البريطاني 265 عامًا

لم تقتصر حكايات الرسائل القديمة على مجموعة بريين، فقد شهد الأرشيف الوطني البريطاني واقعة أخرى لافتة، عندما عُثر على مجموعة من الرسائل الفرنسية التي ظلت مغلقة منذ فترة حرب السنوات السبع، التي اندلعت بين عامي 1756 و1763.

وضمت المجموعة أكثر من 100 رسالة، كانت موجهة إلى أفراد من طاقم السفينة الفرنسية «جالاتيه»، لكنها لم تصل إلى أصحابها، وظلت محفوظة داخل الأرشيف في حزم مربوطة بشرائط، ولا تزال معظمها تحمل أختام الشمع الأحمر.

وعندما اطلع المؤرخ رينو موريو، الأستاذ بجامعة كامبريدج، على هذه المجموعة أثناء أبحاثه التاريخية، قرر فحص الرسائل وقراءتها، ليكتشف عالمًا من المشاعر الإنسانية التي ظلت بعيدة عن أعين القراء لأكثر من 265 عامًا.

وكشفت المراسلات عن مشاعر الحب والاشتياق والقلق والغضب والغيرة وعدم اليقين، وهي مشاعر تعكس جانبًا إنسانيًا من حياة الأشخاص الذين عاشوا في زمن الحروب والاضطرابات.

وتكمن أهمية هذه الرسائل في أنها تقدم صورة مختلفة عن الحروب، فلا تقتصر على المعارك والتحركات العسكرية والقرارات السياسية، وإنما تنقل أيضًا ما كان يدور في حياة الأشخاص الذين انتظروا أحباءهم وأقاربهم، دون أن يعرفوا متى ستصل إليهم أخبارهم أو ما إذا كانوا سيتمكنون من اللقاء مرة أخرى.

رسائل لم تصل إلى أصحابها.. ماذا تكشف الأرشيفات التي ظلت مغلقة لعقود وقرون؟ أسرار تاريخية تعود إلى الحياة بعد سنوات طويلة من الصمت
يد امرأة ماسكة ورقة قديمة كأنها رسالة لونها اصفر من العتق

عندما تتحول الرسائل الخاصة إلى وثائق تاريخية

هناك جانب آخر من حكايات المراسلات القديمة يرتبط بالرسائل التي ظلت مغلقة لأسباب قانونية أو بقرارات قضائية، وليس بسبب تعطل البريد.

ومن الأمثلة البارزة رسائل الرئيس الأمريكي الأسبق وارن هاردينج إلى كاري فولتون فيليبس، التي ارتبطت بعلاقة عاطفية بدأت عام 1905.

وظلت هذه الرسائل بعيدة عن الجمهور لمدة تقارب نصف قرن، بعدما اكتُشفت داخل خزانة، ثم أُغلقت بقرار قضائي عام 1964، قبل أن تُحفظ في مكتبة الكونجرس الأمريكي.

وفي يوليو 2014، أُتيحت هذه الرسائل للجمهور للمرة الأولى بعد انتهاء فترة حجبها، لتصبح جزءًا من الوثائق التاريخية التي تساعد الباحثين على دراسة جوانب من الحياة الخاصة للشخصيات العامة، وكيف يمكن للمراسلات الشخصية أن تتحول مع مرور الوقت إلى مادة ذات أهمية تاريخية.

وتوضح هذه الواقعة أن بقاء الوثائق مغلقة لا يرتبط دائمًا بضياع أصحابها أو تعذر الوصول إليهم، بل قد يكون نتيجة اعتبارات قانونية أو سياسية أو متعلقة بالخصوصية، وهو ما يجعل تاريخ كل مجموعة من الرسائل مختلفًا عن الأخرى.

ماذا تكشف الأرشيفات المغلقة عن حياة البشر في الماضي؟

تكمن القيمة الحقيقية لهذه المجموعات في التفاصيل الصغيرة التي قد لا تظهر في كتب التاريخ التقليدية.

فالرسالة القديمة يمكن أن تكشف طبيعة العلاقات بين أفراد الأسرة، وأسلوب المخاطبة، والمشكلات المالية، والظروف الاجتماعية، وطرق السفر والتجارة، وحتى المخاوف التي كانت تشغل الناس في أوقات الحروب والأزمات.

كما تساعد المراسلات الباحثين على فهم تطور وسائل الاتصال، وكيف كان إرسال رسالة واحدة يتطلب وقتًا طويلًا، وقد تتعطل بسبب تغير العناوين أو الحروب أو عدم القدرة على دفع تكاليف البريد.

وتقدم مجموعة بريين مثالًا مهمًا على ذلك، لأنها تضم رسائل لم تصل إلى أصحابها لأسباب متعددة، وهو ما يجعلها سجلًا غير تقليدي لحركة التواصل البشري في أوروبا خلال أواخر القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن عشر.

ومن المثير أيضًا أن الرسالة نفسها ليست مجرد كلمات مكتوبة، بل إن طريقة طيها وإغلاقها ونوع الورق والحبر والختم المستخدم فيها تمثل جميعها أدلة تاريخية مستقلة.

ولهذا ظهر اهتمام بحثي متزايد بما يعرف باسم تأمين الرسائل بالطي، أو Letterlocking، وهو المجال الذي يدرس الطرق التي استخدمها الأشخاص في الماضي لطي الرسائل وإغلاقها بطريقة تحافظ على سريتها وتمنع العبث بمحتواها أثناء انتقالها من المرسل إلى المستقبل.

رسائل لم تصل إلى أصحابها.. ماذا تكشف الأرشيفات التي ظلت مغلقة لعقود وقرون؟ أسرار تاريخية تعود إلى الحياة بعد سنوات طويلة من الصمت
رسالة قديمة

التكنولوجيا الحديثة تعيد قراءة التاريخ دون إتلاف الوثائق

أصبحت التقنيات الحديثة تقدم فرصًا جديدة أمام الباحثين للتعامل مع الوثائق شديدة الحساسية، خاصة تلك التي لا يمكن فتحها بالطرق التقليدية خوفًا من تلفها أو فقدان خصائصها الأصلية.

وتأتي تقنية الأشعة السينية والتصوير ثلاثي الأبعاد في مقدمة الوسائل التي ساعدت على دراسة الرسائل المغلقة، إلى جانب البرامج الحاسوبية التي تستطيع تحليل الصور وإعادة تركيب طبقات الورق وقراءة الكلمات المخفية.

ولا تقتصر أهمية هذه الأساليب على كشف النصوص، بل تساعد أيضًا على الحفاظ على شكل الوثيقة الأصلي، بما يشمل الأختام والطيات وآثار الاستخدام، وهي عناصر قد يفقدها الباحث إذا فتح الرسالة بالطريقة التقليدية.

كما تتيح المشروعات البحثية المتخصصة رقمنة الوثائق وفهرستها، بما يسهل على الباحثين تتبع الرسائل وأصحابها وتواريخها والأماكن التي انتقلت بينها.

وبذلك لم تعد الأرشيفات مجرد غرف تحفظ أوراق الماضي، بل أصبحت مساحات بحثية يمكن من خلالها إعادة اكتشاف قصص وأحداث ظلت مجهولة لقرون طويلة.

رسائل لم تصل إلى أصحابها.. حكايات إنسانية لم ينتهِ أثرها

وراء كل رسالة قديمة شخص كان ينتظر ردًا، أو يحاول إيصال خبر، أو يطلب مساعدة، أو يعبر عن مشاعر لم يكن من الممكن نقلها بوسيلة أخرى في ذلك الزمن.

وربما لم تصل بعض هذه الرسائل إلى أصحابها، وربما رحل أصحابها قبل أن يعرفوا مصيرها، لكنها نجحت بعد مرور مئات السنين في الوصول إلى جمهور جديد من القراء والباحثين.

وتكشف رسائل لم تصل إلى أصحابها أن التاريخ لا تصنعه الأحداث الكبرى وحدها، بل تصنعه أيضًا التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي احتفظت بها الأوراق والأختام والصناديق القديمة.

وفي النهاية، تظل رسائل لم تصل إلى أصحابها واحدة من أكثر النوافذ الإنسانية إثارة لفهم الماضي، لأنها تمنحنا فرصة نادرة للاستماع إلى أصوات أشخاص عاشوا قبلنا بقرون، وتركوا خلفهم كلمات لم يكن مقدرًا لها أن تصل في موعدها، لكنها وصلت أخيرًا إلى التاريخ.

زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇

https://www.facebook.com/share/1MzRgMuL1D/?mibextid=wwXIfr

دنيا أحمد

محرر صحفي