تحل في 31 أكتوبر ذكرى ميلاد المشير محمد حسين طنطاوي، أحد أبرز القادة العسكريين في تاريخ مصر الحديث، والذي ارتبط اسمه بمحطات مهمة في تاريخ المؤسسة العسكرية المصرية، بداية من مشاركته في الحروب التي خاضتها مصر، مرورًا بتدرجه في المناصب القيادية حتى توليه وزارة الدفاع والإنتاج الحربي، وصولًا إلى قيادته للمجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011.
ويظل المشير محمد حسين طنطاوي شخصية بارزة في الذاكرة الوطنية، بعدما امتدت مسيرته العسكرية لعقود طويلة، شهد خلالها تحولات كبرى في تاريخ البلاد، وشارك في حرب أكتوبر 1973، كما تولى مسؤولية إدارة شؤون البلاد في مرحلة سياسية شديدة الحساسية، عقب تنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك.
وفي ذكرى ميلاد المشير محمد حسين طنطاوي، نستعيد أبرز محطات حياته ومسيرته العسكرية، ونتوقف أمام الأدوار التي تولّاها، والمعارك التي شارك فيها، والمرحلة التاريخية التي ارتبطت باسمه، باعتباره واحدًا من القادة الذين تركوا بصمة واضحة في تاريخ مصر المعاصر.
النشأة والجذور النوبية.. بداية رحلة قائد عسكري
ولد محمد حسين طنطاوي سليمان في 31 أكتوبر عام 1935، بحي عابدين في القاهرة، لأسرة مصرية ذات جذور نوبية تنتمي إلى محافظة أسوان.
نشأ في بيئة مصرية أصيلة، وتلقى تعليمه في القاهرة، قبل أن يتجه إلى المجال العسكري، الذي أصبح محور حياته المهنية لسنوات طويلة.
التحق بالكلية الحربية، وتخرج فيها عام 1956، ليبدأ مسيرة عسكرية تزامنت مع مرحلة مهمة من تاريخ مصر، شهدت العدوان الثلاثي وما أعقبه من تحولات سياسية وعسكرية.
ولم يكتفِ طنطاوي بالتأهيل العسكري الأولي، بل حرص على استكمال دراسته وتطوير خبراته، فالتحق بكلية القادة والأركان، وتخرج فيها عام 1971، ثم حصل على دراسات كلية الحرب العليا عام 1982.
وقد ساعده هذا التأهيل العلمي والعسكري على التدرج في المسؤوليات القيادية، واكتساب خبرة واسعة في التخطيط وإدارة العمليات العسكرية، حتى أصبح من أبرز القيادات داخل القوات المسلحة المصرية.
المشير محمد حسين طنطاوي في ميادين القتال.. محطات عسكرية بارزة
ارتبطت مسيرة طنطاوي بعدد من الحروب والصراعات التي خاضتها مصر، حيث شارك في حرب عام 1956، وحرب عام 1967، وحرب الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر 1973.
وكانت حرب أكتوبر واحدة من أبرز المحطات في حياته العسكرية، إذ تولى قيادة الكتيبة 16 مشاة، وشارك رجاله في المعارك التي شهدتها جبهة القتال خلال عبور قناة السويس ومواجهة القوات الإسرائيلية.
وبرز اسمه بصورة خاصة خلال معارك منطقة المزرعة الصينية، التي شهدت مواجهات عنيفة بين القوات المصرية والإسرائيلية، وارتبطت في الروايات العسكرية بمواجهة قواته لمحاولات الاختراق الإسرائيلية في المنطقة.
وكانت تلك المرحلة من أهم التجارب التي أسهمت في تشكيل شخصيته القيادية، حيث اكتسب خبرات ميدانية في إدارة القوات والتعامل مع ظروف المعارك المعقدة.
وبعد انتهاء حرب أكتوبر، واصل طنطاوي مسيرته داخل المؤسسة العسكرية، مستفيدًا من الخبرات التي اكتسبها في ميادين القتال، إلى جانب دراسته العسكرية وتدرجه في المسؤوليات المختلفة.
كما شارك في حرب تحرير الكويت عام 1991، ضمن مسيرته العسكرية التي امتدت إلى أكثر من مرحلة من مراحل التاريخ العربي الحديث.

من الملحق العسكري إلى قيادة الجيش الثاني الميداني
لم تقتصر خبرات المشير طنطاوي على ميادين القتال، فقد تولى عددًا من المناصب العسكرية المهمة التي ساهمت في صقل خبرته القيادية.
في عام 1975، عمل ملحقًا عسكريًا لمصر في باكستان، ثم امتدت مهمته إلى أفغانستان، وهي تجربة أتاحت له التعرف إلى طبيعة العلاقات العسكرية والدبلوماسية خارج مصر.
ومع عودته، واصل التدرج في المناصب داخل القوات المسلحة، حتى تولى قيادة الجيش الثاني الميداني، ثم قيادة قوات الحرس الجمهوري، وهي من المسؤوليات المهمة داخل المؤسسة العسكرية.
وفي مايو 1991، تولى منصب القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والإنتاج الحربي، قبل أن تتم ترقيته إلى رتبة فريق أول، ثم حصل على رتبة المشير في أكتوبر 1993، ليصبح من أصحاب أعلى الرتب العسكرية في مصر.
واستمر في منصبه وزيرًا للدفاع لسنوات طويلة، شهدت خلالها القوات المسلحة مراحل متعددة من التطوير والتحديث، كما ارتبطت فترة قيادته بملفات التسليح والتدريب ورفع الكفاءة القتالية.
المجلس الأعلى للقوات المسلحة.. مرحلة استثنائية في تاريخ مصر
جاءت واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في مسيرة المشير محمد حسين طنطاوي مع أحداث ثورة 25 يناير 2011، التي انتهت بتنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في 11 فبراير من العام نفسه.
وفي أعقاب التنحي، تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد، وكان طنطاوي على رأس المجلس بصفته رئيسًا له، لتبدأ مرحلة انتقالية شديدة الحساسية في تاريخ الدولة المصرية.
واجهت البلاد خلال تلك الفترة تحديات سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة، وسط مطالب شعبية متزايدة بإجراء تغييرات سياسية وإعادة بناء المؤسسات، إلى جانب الدعوات لإجراء انتخابات وتحديد مستقبل المرحلة الانتقالية.
وكانت مسؤولية المجلس العسكري إدارة شؤون الدولة خلال تلك المرحلة، والإشراف على ترتيبات الانتقال السياسي، حتى تسليم السلطة إلى رئيس منتخب.
وشهدت تلك الفترة أحداثًا وقرارات مهمة، كما أثارت نقاشات واسعة في الشارع المصري، واختلفت حولها الآراء والتقييمات السياسية، نظرًا لحساسية المرحلة وتشابك تحدياتها.
وظل طنطاوي في موقعه رئيسًا للمجلس الأعلى للقوات المسلحة حتى تسلم الرئيس المنتخب محمد مرسي السلطة في يونيو 2012، قبل أن يصدر قرار في أغسطس من العام نفسه بإحالته إلى التقاعد وتعيينه مستشارًا لرئيس الجمهورية.

الأوسمة والتكريمات.. تقدير لمسيرة عسكرية طويلة
حصل المشير محمد حسين طنطاوي خلال مسيرته على العديد من الأوسمة والأنواط العسكرية، تقديرًا لما قدمه خلال سنوات خدمته بالقوات المسلحة ومشاركته في الحروب والمهام المختلفة.
ومن أبرز التكريمات التي حصل عليها قلادة النيل، وهي من أرفع الأوسمة المصرية، كما نال عددًا من الأنواط والميداليات المرتبطة بالخدمة العسكرية والمشاركة في المعارك.
وتضمنت قائمة التكريمات ميداليات حرب أكتوبر، والخدمة الممتازة، ونوط الشجاعة العسكري، ونوط الواجب العسكري، إلى جانب أوسمة أخرى مصرية وعربية.
وجاءت هذه التكريمات انعكاسًا لمسيرة مهنية طويلة، تولى خلالها مسؤوليات عسكرية وقيادية متعددة، وشارك في أحداث شكلت جانبًا مهمًا من التاريخ العسكري المصري.
الحياة الشخصية والجانب الإنساني في شخصية طنطاوي
بعيدًا عن المناصب والرتب العسكرية، ظل المشير طنطاوي شخصية معروفة بالابتعاد عن الأضواء الإعلامية في حياته الخاصة، ولم يكن من الشخصيات التي اعتادت الظهور المتكرر في المناسبات الاجتماعية أو الحديث عن تفاصيل حياتها الشخصية.
وكانت طبيعة عمله العسكرية تفرض عليه قدرًا كبيرًا من الانضباط والالتزام، وهو ما انعكس على حضوره العام وطريقة تعامله مع المسؤوليات التي تولّاها.
وعلى مدار سنوات خدمته، ارتبط اسمه بالمؤسسة العسكرية المصرية، وظل حاضرًا في المناسبات الوطنية والعسكرية المرتبطة بتاريخ القوات المسلحة، خاصة الاحتفالات بذكرى انتصارات أكتوبر.
وقد حظيت مسيرته باهتمام واسع في وسائل الإعلام المصرية والعربية، سواء خلال توليه وزارة الدفاع أو خلال المرحلة الانتقالية التي ترأس فيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
رحيل المشير محمد حسين طنطاوي.. نهاية رحلة عسكرية حافلة
في 21 سبتمبر عام 2021، رحل المشير محمد حسين طنطاوي عن عمر ناهز 85 عامًا، بعد مسيرة طويلة داخل المؤسسة العسكرية المصرية، امتدت لأكثر من ستة عقود.
وأعلنت الدولة المصرية نبأ وفاته، ونعاه الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيدًا بما قدمه للوطن خلال سنوات خدمته، وبمسيرته العسكرية والوطنية.
وشكل رحيله مناسبة لاستعادة محطات حياته، بداية من مشاركته في الحروب التي خاضتها مصر، وصولًا إلى المناصب القيادية التي تولاها، والدور الذي لعبه خلال المرحلة الانتقالية بعد ثورة يناير.
كما جرى تكريمه بإطلاق اسمه على عدد من المنشآت والمشروعات، تقديرًا لمسيرته وما ارتبط بها من محطات في تاريخ الدولة المصرية.
ذكرى ميلاد المشير محمد حسين طنطاوي.. اسم حاضر في ذاكرة التاريخ المصري
في ذكرى ميلاد المشير محمد حسين طنطاوي، تعود إلى الأذهان سيرة قائد عسكري عاش مراحل مختلفة من تاريخ مصر، وشارك في حروبها، وتولى مسؤوليات كبرى داخل القوات المسلحة، ثم وجد نفسه في قلب واحدة من أكثر الفترات السياسية حساسية في تاريخ البلاد الحديث.
وبين ميدان القتال وقيادة المؤسسة العسكرية وإدارة المرحلة الانتقالية، امتدت رحلته لتصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية المصرية.
قد تختلف التقييمات السياسية لبعض محطات مسيرته، لكن المؤكد أن اسمه ارتبط بفترة تاريخية مهمة، وأن تجربته العسكرية والإدارية ستظل موضوعًا حاضرًا في دراسة تاريخ مصر المعاصر.
زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/19a1FYUTtr/?mibextid=wwXIfr




