في 31 أكتوبر عام 1917، شهدت الأراضي الفلسطينية واحدة من أبرز المعارك العسكرية خلال الحرب العالمية الأولى، عندما سقطت مدينة بئر السبع في يد قوات الحلفاء بقيادة القوات البريطانية، بعد معركة عنيفة مع القوات العثمانية، انتهت بهجوم تاريخي نفذته وحدات الخيالة الأسترالية، وأسهم في اختراق خط الدفاع العثماني الممتد بين غزة وبئر السبع.
وتُعد معركة بئر السبع من المحطات العسكرية المهمة في حملة سيناء وفلسطين خلال الحرب العالمية الأولى، إذ لم يكن الهدف من السيطرة على المدينة مجرد الاستيلاء على موقع جغرافي، بل كان مرتبطًا بخطة عسكرية أوسع لكسر الدفاعات العثمانية وفتح الطريق أمام تقدم القوات البريطانية نحو فلسطين والقدس.
وشهدت المعركة واحدة من أشهر هجمات الفرسان في التاريخ العسكري الحديث، بعدما اندفعت وحدات الخيالة الأسترالية على ظهور الخيول باتجاه التحصينات العثمانية، مستخدمة الحراب بدلًا من السيوف، في هجوم مفاجئ ساعد على السيطرة على المدينة وتأمين آبار المياه الحيوية.
وفي ذكرى هذا الحدث التاريخي، نستعيد خلفيات المعركة، وأسباب أهميتها الاستراتيجية، وتفاصيل الهجوم الذي غيّر مسار العمليات العسكرية في جنوب فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى.
بئر السبع.. موقع استراتيجي أشعل المواجهة بين العثمانيين والبريطانيين
كانت مدينة بئر السبع تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة خلال الحرب العالمية الأولى، نظرًا لموقعها الجغرافي في جنوب فلسطين، ووجودها على الطرف الشرقي من خط الدفاع العثماني الذي امتد من مدينة غزة على ساحل البحر المتوسط وصولًا إلى بئر السبع.
وكانت القوات العثمانية قد أقامت تحصينات دفاعية قوية في المنطقة، بهدف منع تقدم القوات البريطانية القادمة من شبه جزيرة سيناء باتجاه فلسطين.
وبالنسبة إلى القوات البريطانية، كانت السيطرة على بئر السبع خطوة أساسية لتجاوز الدفاعات العثمانية، خاصة بعد فشل محاولتين سابقتين لاقتحام غزة خلال شهري مارس وأبريل عام 1917.
وأدركت القيادة البريطانية أن تكرار الهجوم المباشر على غزة قد يؤدي إلى خسائر كبيرة دون تحقيق تقدم حاسم، ولذلك اتجهت إلى وضع خطة عسكرية تعتمد على الالتفاف حول الدفاعات العثمانية، من خلال مهاجمة بئر السبع والسيطرة عليها أولًا.
كما اكتسبت المدينة أهمية إضافية بسبب آبار المياه الموجودة بها، والتي كانت تمثل موردًا حيويًا للقوات والخيول التي تتحرك في المناطق الصحراوية، وكان الاستيلاء عليها ضروريًا لضمان استمرار تقدم القوات المهاجمة.

الحرب العالمية الأولى.. كيف بدأت خطة السيطرة على بئر السبع؟
مع استمرار المواجهات على الجبهة الفلسطينية، تولى الجنرال البريطاني إدموند ألنبي قيادة القوات البريطانية في يونيو 1917، وبدأ الاستعداد لشن هجوم جديد بهدف اختراق الخطوط العثمانية في جنوب فلسطين.
اعتمدت الخطة على تنفيذ تحركات عسكرية متزامنة، بحيث يتم توجيه اهتمام القوات العثمانية نحو مدينة غزة، بينما تتحرك القوات الرئيسية باتجاه بئر السبع.
وكان الهدف من هذا التحرك تشتيت الدفاعات العثمانية ومنعها من التركيز على نقطة واحدة، إلى جانب الالتفاف حول الجناح الشرقي لخط الدفاع.
وفي ليلة 30 أكتوبر 1917، تحركت وحدات من القوات البريطانية وقوات الخيالة الأسترالية والنيوزيلندية عبر المناطق الصحراوية المحيطة بالمدينة، استعدادًا لبدء الهجوم في صباح اليوم التالي.
وفي فجر 31 أكتوبر، بدأت العمليات العسكرية بقصف المواقع العثمانية والهجوم على التحصينات المحيطة ببئر السبع، بينما خاضت وحدات المشاة والخيالة اشتباكات عنيفة للسيطرة على المواقع الدفاعية المرتفعة والطرق المؤدية إلى المدينة.
وكانت السيطرة على تل السبع، الواقع شمال شرق بئر السبع، من الخطوات المهمة قبل تنفيذ الهجوم النهائي على المدينة، بعدما واجهت القوات المهاجمة مقاومة عثمانية استمرت عدة ساعات.
هجوم الخيالة الأسترالية.. اللحظة التي غيرت مسار المعركة
مع اقتراب نهاية يوم 31 أكتوبر، واجهت القوات البريطانية مشكلة تتعلق بالوقت، إذ لم تتمكن الهجمات السابقة من السيطرة على المدينة وآبار المياه قبل حلول الظلام.
وفي ظل الحاجة العاجلة إلى تأمين مصادر المياه، صدرت الأوامر بتنفيذ هجوم سريع باستخدام وحدات الخيالة الأسترالية التابعة للواء الخيالة الخفيف الرابع.
قاد الهجوم العميد ويليام جرانت، بناءً على أوامر الجنرال هاري شوفيل، قائد فيلق الخيالة الصحراوي، لتبدأ واحدة من أشهر الهجمات التي ارتبطت بتاريخ الحرب العالمية الأولى.
وانطلقت الخيالة الأسترالية في هجوم مباشر عبر أرض مفتوحة باتجاه التحصينات العثمانية، وشارك في الهجوم أفراد من الفوجين الرابع والثاني عشر للخيالة الخفيفة الأسترالية.
وكانت المفاجأة أن الجنود لم يحملوا سيوفًا أو رماحًا، بل استخدموا حراب بنادقهم كسلاح أثناء الهجوم، مستفيدين من سرعة الخيول وعنصر المفاجأة.
واستطاعت القوات الأسترالية تجاوز الخنادق الدفاعية والوصول إلى المدينة، بينما تمكن بعض الجنود من التقدم إلى داخل بئر السبع والسيطرة على مواقع مهمة بها.
واستغرق الهجوم النهائي وقتًا قصيرًا نسبيًا، ونجحت القوات المهاجمة في السيطرة على المدينة وتأمين عدد كبير من آبار المياه، قبل أن تتمكن القوات العثمانية من تدميرها أو تعطيل استخدامها.
وتشير السجلات العسكرية الأسترالية إلى أن القوات المهاجمة تكبدت 31 قتيلًا و36 مصابًا خلال الهجوم، كما تمكنت من أسر أكثر من 700 جندي عثماني.
وأصبحت هذه العملية واحدة من أشهر هجمات الخيالة في التاريخ العسكري، ولا تزال تحظى باهتمام المؤرخين والباحثين العسكريين حتى اليوم.

لماذا كانت معركة بئر السبع نقطة تحول في تاريخ فلسطين؟
لم تتوقف أهمية المعركة عند سقوط المدينة، وإنما امتدت آثارها إلى مجمل العمليات العسكرية في جنوب فلسطين، فقد أدى اختراق الدفاعات العثمانية إلى إضعاف الخط الدفاعي الممتد بين غزة وبئر السبع.
وكانت السيطرة على المدينة تعني أن القوات البريطانية أصبحت قادرة على الالتفاف حول المواقع العثمانية، والتحرك باتجاه مناطق أخرى دون الاضطرار إلى مواجهة جميع التحصينات من الجبهة نفسها.
كما ساعد تأمين آبار المياه على استمرار تحركات القوات والخيول في المناطق الصحراوية، وهو عامل بالغ الأهمية في العمليات العسكرية التي تعتمد على الخيالة والتنقل لمسافات طويلة.
وبعد سقوط بئر السبع، استمرت المواجهات العسكرية في منطقة غزة، واضطرت القوات العثمانية إلى الانسحاب منها في 7 نوفمبر 1917، لتتمكن القوات البريطانية من التقدم شمالًا.
وبذلك أصبحت المدينة بوابة مهمة ضمن الحملة العسكرية البريطانية التي استهدفت السيطرة على فلسطين، بعدما نجحت القوات المهاجمة في تجاوز أحد أهم خطوط الدفاع العثمانية في المنطقة.
من سقوط بئر السبع إلى دخول القدس
بعد السيطرة على بئر السبع والتقدم في جبهة غزة، واصلت القوات البريطانية عملياتها العسكرية داخل الأراضي الفلسطينية، مستفيدة من تراجع قدرة القوات العثمانية على الاحتفاظ بخطوطها الدفاعية السابقة.
وفي 7 نوفمبر 1917، دخلت القوات البريطانية مدينة غزة، ثم استمرت في التقدم باتجاه المناطق الشمالية، وسط مواجهات عسكرية متتابعة.
وكان الهدف الاستراتيجي التالي هو القدس، التي احتلت موقعًا مهمًا في الحسابات العسكرية والسياسية للقوات البريطانية خلال الحرب.
وفي 9 ديسمبر 1917، دخلت القوات البريطانية القدس، بعد انسحاب القوات العثمانية منها، في تطور شكل محطة بارزة في تاريخ الحملة البريطانية على فلسطين.
وهكذا ارتبط سقوط بئر السبع بسلسلة من التطورات العسكرية التي أدت إلى تغير السيطرة على مناطق واسعة من فلسطين خلال الأشهر الأخيرة من عام 1917.
لكن هذه التطورات لم تكن نهاية الحرب في المنطقة، إذ استمرت العمليات العسكرية خلال عام 1918، قبل أن تنتهي المواجهات الكبرى بين القوات العثمانية والحلفاء في الشرق الأوسط مع توقيع هدنة مودروس في أكتوبر من العام نفسه.
إعلان بلفور.. تطورات سياسية تزامنت مع سقوط المدينة
ومن المفارقات التاريخية أن يوم سقوط بئر السبع، 31 أكتوبر 1917، شهد أيضًا موافقة مجلس الوزراء البريطاني على الصيغة النهائية لمشروع التصريح الذي أصبح يُعرف لاحقًا باسم وعد بلفور.
وفي 2 نوفمبر 1917، أعلن وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور التصريح الذي تضمن تأييد الحكومة البريطانية لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، مع الإشارة إلى عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة فيها.
وجاء هذا التطور السياسي في توقيت كانت فيه القوات البريطانية تحقق تقدمًا عسكريًا داخل فلسطين، وهو ما جعل عام 1917 محطة شديدة الأهمية في تاريخ المنطقة.
وقد أصبح وعد بلفور لاحقًا أحد أبرز الأحداث السياسية المرتبطة بتاريخ القضية الفلسطينية، لما ترتب عليه من تطورات خلال العقود التالية.
ومن المهم التمييز بين الحدثين؛ فسقوط بئر السبع كان تطورًا عسكريًا ضمن الحرب العالمية الأولى، بينما كان وعد بلفور قرارًا سياسيًا بريطانيًا له مسار وتأثيرات تاريخية مختلفة.
معركة بئر السبع في الذاكرة التاريخية
لا تزال هذه المعركة تحظى باهتمام واسع، خاصة في أستراليا ونيوزيلندا، حيث تُعد مشاركة قوات الخيالة الأسترالية والنيوزيلندية في حملة فلسطين جزءًا من الذاكرة العسكرية لتلك الدول.
وتقام فعاليات تذكارية لاستعادة تفاصيل الهجوم، كما توجد متاحف ونصب تذكارية توثق مشاركة الجنود الذين خاضوا المعركة، وتعرض صورًا ووثائق ومقتنيات تعود إلى تلك الفترة.
وتظل صورة الخيالة الأسترالية وهي تندفع فوق ظهور الخيول باتجاه التحصينات العثمانية من أبرز الصور المرتبطة بتاريخ الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط.
أما بالنسبة إلى فلسطين، فإن سقوط المدينة يمثل جزءًا من مرحلة تاريخية شهدت تحولات عسكرية وسياسية عميقة، كان لها تأثير ممتد على مستقبل المنطقة.
في مثل هذا اليوم.. بئر السبع شاهدة على تحول تاريخي في فلسطين
في مثل هذا اليوم من عام 1917، سقطت بئر السبع في يد قوات الحلفاء بعد مواجهة عسكرية تركت أثرًا واضحًا في مسار الحرب العالمية الأولى داخل فلسطين.
لقد كانت معركة بئر السبع أكثر من مجرد هجوم عسكري للسيطرة على مدينة، فقد ساهمت في كسر خط الدفاع العثماني في جنوب فلسطين، ومهدت الطريق أمام تقدم القوات البريطانية نحو غزة والقدس.
وبعد أكثر من قرن على تلك الأحداث، تظل معركة بئر السبع واحدة من المحطات التي تستحق استعادة تفاصيلها لفهم التحولات العسكرية والسياسية التي شهدتها فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى، وكيف تشابكت الأحداث على الأرض مع القرارات السياسية التي غيرت تاريخ المنطقة.
زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/1J9GtPmBsZ/?mibextid=wwXIfr




