تزايدت التحذيرات الاستخباراتية الغربية من احتمال لجوء موسكو إلى أسلوب عسكري محدود في دول البلطيق، وعلى رأسها إستونيا، بهدف اختبار مدى تماسك حلف شمال الأطلسي وقدرته على تفعيل المادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي. وتدور المخاوف حول احتمال تنفيذ التوغل الروسي في إستونيا بصورة محدودة ومدروسة، على غرار استراتيجية «الرجال الخضر الصغار» التي استخدمتها روسيا خلال السيطرة على شبه جزيرة القرم عام 2014.
وتأتي هذه التحذيرات في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد ما يوصف بالحرب الهجينة بين موسكو والغرب، والتي تشمل عمليات إلكترونية وتخريبية وحملات تضليل وتحركات سرية، إلى جانب التهديدات العسكرية التقليدية.
وتخشى دوائر غربية من أن يكون الهدف من أي تحرك روسي محدود هو قياس رد فعل الدول الأوروبية والولايات المتحدة، ومعرفة مدى استعدادها للمواجهة المباشرة إذا تعرضت دولة عضو في حلف الناتو لهجوم.
تصعيد روسي في الحرب الهجينة ضد الغرب
شهدت الفترة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في الاتهامات الموجهة إلى موسكو بالوقوف وراء أنشطة تخريبية وأعمال سرية في عدد من الدول الأوروبية، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية في أوكرانيا.
وتشمل هذه الاتهامات حوادث تفجيرات استهدفت منشآت مرتبطة بصناعات الدفاع في عدد من الدول، إلى جانب مؤامرات مزعومة لاستهداف مسؤولين في قطاع التسليح ومحاولات مرتبطة باستخدام الطائرات المسيّرة.
وتعكس هذه التطورات انتقال الصراع إلى مساحات تتجاوز ساحات القتال التقليدية، إذ أصبحت الحرب الهجينة وسيلة للضغط وإرباك الخصوم واختبار قدراتهم الأمنية، دون الوصول بالضرورة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
ويرى مراقبون أن خطورة هذا النوع من العمليات تكمن في صعوبة تحديد نقطة التحول بين النشاط السري والعمل العسكري المباشر، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بدول أعضاء في حلف الناتو.

تحذير أمريكي مباشر للكرملين
في تطور لافت، جرى تحذير القيادة الروسية من خطورة استهداف أي دولة عضو في التحالف الغربي، مع التركيز بصورة خاصة على دول البلطيق.
ويكتسب هذا التحذير أهمية كبيرة في ظل حساسية المرحلة الحالية، حيث تسعى الدول الغربية إلى منع أي سوء تقدير روسي قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة بين موسكو والناتو.
وتتركز المخاوف الأمريكية والغربية على احتمال أن تراهن روسيا على وجود خلافات داخل الحلف بشأن كيفية التعامل مع هجوم محدود، خاصة إذا كان التحرك مفاجئًا وقصير المدى وتم تقديمه على أنه نزاع محلي أو اضطراب داخلي.
كما سبق أن صدرت تحذيرات بشأن احتمال وقوع تحركات روسية تجاه دول في الجناح الشرقي لحلف الناتو خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي دفع دول المنطقة إلى رفع مستوى الاستعداد الأمني والعسكري.
لماذا تمثل دول البلطيق نقطة حساسة؟
تعد إستونيا ولاتفيا وليتوانيا من أكثر مناطق الناتو حساسية من الناحية الجغرافية والعسكرية، إذ تقع الدول الثلاث على مقربة مباشرة من روسيا، كما أنها كانت في السابق جزءًا من الاتحاد السوفيتي.
وتزداد صعوبة الموقف بسبب صغر مساحة هذه الدول مقارنة بالقوى العسكرية الكبرى، وهو ما يقلل من قدرتها على الاعتماد على دفاعات عميقة في حال وقوع هجوم مفاجئ.
كما أن موقع دول البلطيق يجعل أي أزمة فيها ذات أبعاد استراتيجية واسعة، خصوصًا أن الدفاع عنها لا يرتبط فقط بأمنها الوطني، وإنما يمثل اختبارًا لمصداقية مبدأ الدفاع الجماعي داخل الحلف.
وفي هذا السياق، تبدو إستونيا واحدة من أكثر الدول التي تحظى باهتمام أمني وعسكري، بسبب حدودها مع روسيا وطبيعة التركيبة السكانية في بعض المناطق الحدودية.
سيناريو نارفا.. بوابة محتملة لأزمة أكبر
تتصدر مدينة نارفا الحدودية في إستونيا النقاشات المتعلقة بالسيناريوهات المحتملة لأي تحرك روسي محدود، نظرًا لوجود نسبة كبيرة من السكان الناطقين باللغة الروسية في المنطقة.
وخلال الفترة الأخيرة، ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي دعوات تتحدث عن إقامة كيان منفصل تحت اسم «جمهورية نارفا الشعبية»، وهي صيغة تثير مخاوف من إمكانية استخدام خطاب الانفصال أو حماية الناطقين بالروسية لتبرير تدخل خارجي.
ويتمثل أحد السيناريوهات التي يدرسها المحللون في إمكانية افتعال حادث أمني أو استخدام عملية تحت راية زائفة، يتم خلالها اتهام السلطات الإستونية باستهداف مواطنين من أصول روسية، ثم تقديم ذلك باعتباره مبررًا للتدخل.
وفي حال حدوث مثل هذا السيناريو، قد تحاول موسكو تصوير أي تحرك عسكري على أنه عملية لحماية السكان، وليس هجومًا على دولة عضو في حلف الناتو.

التوغل الروسي في إستونيا واختبار المادة الخامسة
يرى محللون عسكريون أن التوغل الروسي في إستونيا، إذا حدث، قد لا يأخذ شكل عملية عسكرية واسعة، بل يمكن أن يكون تحركًا محدودًا للسيطرة على نقطة استراتيجية صغيرة، مثل جسر أو مهبط أو محطة كهرباء، ثم انتظار رد فعل الحلف.
ويستند هذا السيناريو إلى فكرة أن موسكو قد تحاول اختبار مدى استعداد الناتو لتفعيل المادة الخامسة في حالة هجوم محدود، بدلًا من الدخول مباشرة في حرب شاملة.
وقد يترافق أي تحرك من هذا النوع مع استخدام المدفعية والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية من داخل الأراضي الروسية، بما يصعب مهمة القوات المدافعة ويمنح القوة المتقدمة غطاءً عسكريًا.
كما يمكن أن تستخدم موسكو أساليب أخرى لزيادة الغموض حول طبيعة العملية، من خلال تقديمها باعتبارها تحركًا محليًا أو محاولة لحماية سكان روس، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك القرار السياسي داخل الدول الغربية.
مخاوف من تردد الناتو وضربة لمصداقيته
تكمن أخطر تداعيات أي هجوم محدود على دولة من دول البلطيق في احتمال تأخر رد فعل الحلف، إذ إن عدم اتخاذ موقف عسكري واضح قد يبعث برسالة خطيرة بشأن مدى التزام الدول الأعضاء بمبدأ الدفاع الجماعي.
وتشير التقديرات إلى أن تالين لا ترغب في انتظار قرار سياسي طويل من الحلف إذا تعرضت أراضيها لهجوم، وإنما تسعى إلى امتلاك القدرة على الرد السريع ورفع تكلفة أي توغل محتمل.
ويأتي ذلك ضمن استراتيجية أوسع لدول البلطيق تهدف إلى تعزيز الجاهزية العسكرية، خاصة في ظل تزايد المخاوف من الطائرات المسيّرة والهجمات الجوية والعمليات الهجينة.
كما تطالب دول المنطقة بتطوير منظومات الدفاع الجوي لمواجهة أسراب الطائرات المسيّرة، باعتبارها واحدة من أبرز التهديدات التي كشفت عنها الحروب الحديثة.
هل تتجه روسيا إلى حرب شاملة؟
ورغم تصاعد التحذيرات، يرى معظم المحللين أن شن هجوم روسي واسع النطاق على دول البلطيق أو السيطرة على منطقة استراتيجية مثل ممر سوالكي لا يزال سيناريو غير مرجح.
فالحرب الشاملة مع الناتو ستكون مختلفة تمامًا عن أي عملية محدودة، وستضع روسيا في مواجهة قدرات عسكرية واقتصادية هائلة، ما يجعل تكلفة هذا الخيار مرتفعة للغاية.
ويزداد الأمر خطورة بالنسبة لموسكو إذا تحولت المواجهة إلى حرب مفتوحة بين روسيا والحلف، إذ قد تتسع العمليات بصورة يصعب السيطرة عليها، مع احتمال دخول أطراف وقوات إضافية إلى الصراع.
ولهذا يعتقد محللون أن الخطر الحقيقي لا يتمثل بالضرورة في قرار روسي معلن لبدء حرب كبرى، وإنما في احتمال قيام موسكو بعملية صغيرة تعتقد أنها سريعة ومحدودة، ثم تجد نفسها أمام رد دولي واسع.
التوغل الروسي في إستونيا.. سيناريو محدود بتداعيات كبيرة
تظل فرضية التوغل الروسي في إستونيا واحدة من السيناريوهات التي تثير قلق الأجهزة الأمنية الغربية، ليس بسبب احتمال احتلال الأراضي الإستونية بالكامل، وإنما بسبب التداعيات التي يمكن أن تنتج عن عملية محدودة ومدروسة.
فالسيطرة المؤقتة على نقطة استراتيجية أو منطقة صغيرة قد تبدو في البداية عملية محدودة، لكنها ستضع حلف الناتو أمام اختبار تاريخي يتعلق بمدى التزامه بحماية أعضائه.
وفي الوقت نفسه، فإن أي رد قوي قد يقود إلى تصعيد واسع، بينما قد يؤدي التردد إلى إضعاف الردع الغربي.
وتبقى دول البلطيق في حالة تأهب متزايدة، في ظل إدراكها أن موقعها الجغرافي يجعلها من أكثر المناطق عرضة لاختبارات القوة والنفوذ بين روسيا والغرب.
وفي النهاية، فإن التوغل الروسي في إستونيا، إذا تحول من سيناريو استخباراتي إلى واقع ميداني، لن يكون مجرد أزمة حدودية محدودة، بل اختبارًا مباشرًا لمستقبل الأمن الأوروبي ومصداقية حلف الناتو، وهو ما يجعل تجنب سوء التقدير والتصعيد هدفًا أساسيًا لجميع الأطراف.
زوروا صفحتنا الرسمية على فيسبوك 👇
جريدة عالم النجوم
متابعة ليصلكم كل جديد
https://www.facebook.com/share/1JbMYHoH2N/?mibextid=wwXIfr




