فتح الإعلامي والكاتب الصحفي حمدي رزق ملف الإساءة والتشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مسلطًا الضوء على ما وصفه بانتشار البذاءة والسباب واستباحة الأعراض في الفضاء الإلكتروني، مؤكدًا أن المسؤول الذي يتصدى لخدمة المواطنين يواجه أحيانًا حملات من الهجوم والتجريح، رغم ما يبذله من جهد في أداء عمله وخدمة المجتمع.
وجاء ذلك في مقال حمل عنوان «ما يقعد على المداود الإلكترونية إلا شر البشر»، تناول خلاله حمدي رزق ظاهرة الهجوم الإلكتروني على المسؤولين وأصحاب المبادرات والأعمال العامة، وما تتركه من آثار نفسية سلبية قد تمتد إلى إضعاف الحماس وتقليل الرغبة في مواصلة العمل والعطاء.
مقولة ابن حزم ورسالة إلى أصحاب الخدمة العامة
استهل حمدي رزق مقاله بمقولة منسوبة إلى ابن حزم الأندلسي، تقول: «من تصدّر لخدمة العامة، فلا بد أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس، لأنه لا محالة مشتوم، حتى وإن واصل الليل بالنهار».
واعتبر الكاتب أن هذه المقولة تمثل نوعًا من المواساة لكل من يتولى مسؤولية عامة، موضحًا أن المسؤول قد يبذل أقصى ما لديه من جهد، ويواصل العمل ليلًا ونهارًا، لكنه لا يضمن رضا الجميع أو الحصول على التقدير الذي يستحقه.
وأشار إلى أن المسؤولية العامة أصبحت محاطة بتحديات عديدة، في ظل وجود أشخاص يتعقبون المسؤولين ويراقبون كل تفاصيل أعمالهم، بحثًا عن الأخطاء أو السلبيات، بل قد يلجأ البعض إلى اختلاق الاتهامات وترويجها بدوافع شخصية.
حمدي رزق ينتقد انتشار الإساءة على مواقع التواصل الاجتماعي
وتوقف المقال أمام ما وصفه الكاتب بانتشار ظاهرة السباب والتشهير عبر المنصات الإلكترونية، معتبرًا أن بعض التعليقات تجاوزت حدود النقد المقبول، وتحولت إلى مساحة مفتوحة للإهانات الشخصية والتطاول على الآخرين واستباحة الأعراض.
وأوضح حمدي رزق أن المشكلة لا تتعلق بمجرد اختلاف الآراء أو توجيه الانتقادات، وإنما بانتشار خطاب يتسم بالتجريح واللعن والألفاظ المسيئة، دون مراعاة للقيم الأخلاقية أو احترام كرامة الأشخاص.
واستشهد الكاتب بمعانٍ قرآنية تتناول صفات الهمز واللمز والنميمة، في سياق انتقاده للسلوكيات التي تستهدف تشويه الآخرين والنيل من سمعتهم، مؤكدًا أن الفضاء الإلكتروني أصبح في بعض الأحيان ساحة لممارسات تفتقر إلى المسؤولية والاحترام.

الفرق بين النقد البناء والتجريح الشخصي
ومن أبرز النقاط التي تناولها المقال التفرقة بين النقد الصحي الذي يهدف إلى تصحيح الأخطاء وتطوير الأداء، وبين الهجوم الذي يعتمد على السخرية والإهانة والتقليل من قيمة الجهود المبذولة.
وأكد الكاتب أن النقد الموضوعي يمثل ضرورة لأي مسؤول يتولى مهمة عامة، سواء كان وزيرًا أو مديرًا أو موظفًا، لأنه يساعد على اكتشاف أوجه القصور ومعالجة المشكلات وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
لكن تحويل كل عمل إلى مناسبة للهجوم والسخرية، دون تقديم ملاحظات موضوعية أو حلول عملية، يؤدي إلى نتائج عكسية، ويخلق حالة من الإحباط لدى أصحاب الهمم والمجتهدين.
وأشار إلى أن التقليل المستمر من قيمة الأعمال والمشروعات والمبادرات، والاستهزاء بالجهود المبذولة، لا يضر المسؤول وحده، بل قد يمتد تأثيره إلى المجتمع بأكمله، من خلال إضعاف الرغبة في المشاركة والعمل من أجل الصالح العام.
العدمية وإحباط المبادرات التي تخدم المجتمع
طرح حمدي رزق في مقاله مفهوم العدمية، باعتبارها اتجاهًا ينكر وجود المعنى الجوهري والهدف الحقيقي والقيمة الأخلاقية، ويرفض الاعتراف بأهمية الجهود التي تستهدف تحقيق النفع العام.
وربط الكاتب بين انتشار هذا الاتجاه وبين بعض الممارسات التي تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يصبح السؤال المتكرر أمام أي مشروع أو مبادرة: ماذا استفدت أنا؟
ويرى أن اختزال قيمة الأعمال المجتمعية في المكاسب الشخصية المباشرة يمثل خطرًا على ثقافة المشاركة والتعاون، خاصة أن هناك مشروعات وأنشطة كثيرة تستهدف تحسين حياة المواطنين وتحقيق مصالح عامة، دون أن يكون العائد الفردي المباشر هو الهدف الأساسي منها.
وحذر من أن استمرار هذا المناخ قد يؤدي إلى انتشار اللامبالاة، وتراجع قيمة المبادرات الإيجابية، وإضعاف الثقة في إمكانية إحداث تغيير حقيقي من خلال العمل الجماعي.
البذاءة الإلكترونية ليست نقدًا ولا تعبيرًا عن حرية الرأي
وتناول المقال أيضًا تاريخ الهجاء في الأدب العربي، موضحًا أن الهجاء كان فنًا له أدواته وأساليبه، استخدمه الشعراء للتعبير عن الغضب والسخط وذكر العيوب والمثالب.
واستشهد الكاتب بأحد أبيات الهجاء، ليؤكد أن التعبير عن الاختلاف والخصومة لم يكن بالضرورة مرادفًا لاستخدام الألفاظ الفاحشة أو التجاوز في حق الآخرين.
وأشار إلى أن الفحش في القول يتجاوز حدود النقد الأدبي أو السخرية المقبولة، ويصبح سلوكًا مرفوضًا عندما يتحول إلى وسيلة لإهانة الأشخاص والنيل من كرامتهم.
ومن هذا المنطلق، يرى حمدي رزق أن انتشار البذاءة على المنصات الإلكترونية لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف في وجهات النظر، لأن هناك فارقًا واضحًا بين انتقاد أداء مسؤول وبين الإساءة إلى شخصه والتعرض لسمعته.

الأثر النفسي لحملات التشهير على المسؤولين وأصحاب الإنجازات
لم يكتف المقال بوصف مظاهر الإساءة الإلكترونية، بل انتقل إلى مناقشة تأثيرها النفسي على الأشخاص الذين يتحملون مسؤوليات عامة ويبذلون جهودًا مستمرة في أداء مهامهم.
وأوضح الكاتب أن التعرض المتكرر للهجوم والتجريح قد يدفع المسؤول إلى الشعور بالظلم والقهر وعدم التقدير، وهي مشاعر يمكن أن تستنزف طاقته النفسية وتؤثر على قدرته على مواصلة العمل.
وحذر من أن الاستسلام لهذه المشاعر قد يؤدي إلى تراجع الحماس وضعف العزيمة، وربما فقدان الرغبة في إنجاز المزيد من الأعمال، خاصة عندما يشعر الإنسان بأن جهوده لا تقابل إلا بالإساءة والانتقاد غير الموضوعي.
وأكد أن الإحباط الناتج عن حملات التشهير لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للتوقف عن العمل، أو التخلي عن المسؤوليات، أو فقدان الإيمان بأهمية خدمة المجتمع.
رسالة حمدي رزق: لا تسمحوا للإحباط بإيقاف العمل العام
حملت نهاية المقال رسالة مهمة إلى كل من يتصدى للعمل العام، مفادها أن وجود أصوات مسيئة أو حملات تشويه لا يجب أن يكون سببًا للتراجع أو الاستسلام.
فالمجتمع يحتاج إلى أصحاب المبادرات والمجتهدين وأصحاب الهمم، كما يحتاج إلى مسؤولين يدركون أن النقد جزء من طبيعة المسؤولية، وأن التعامل مع الانتقادات يجب أن يكون بوعي وقدرة على التمييز بين الملاحظات المفيدة ومحاولات الإساءة المتعمدة.
ويعيد مقال حمدي رزق طرح قضية مهمة تتعلق بأخلاقيات الحوار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والحد الفاصل بين حرية التعبير والتشهير، وبين النقد البناء والإهانة الشخصية.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأبرز أن خدمة المجتمع لا ينبغي أن تتوقف بسبب حملات السخرية والتجريح، وأن الحفاظ على قيمة العمل العام يبدأ برفض الإساءة، واحترام الاختلاف، وتشجيع كل جهد حقيقي يستهدف تحقيق النفع للناس.
زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/1WEKUrpGfV/?mibextid=wwXIfr




