في مثل هذا اليوم 3 نوفمبر عام 1956، شهدت مدينة خان يونس بقطاع غزة واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ الشعب الفلسطيني، عندما اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي المدينة ومخيم اللاجئين المجاور لها خلال العدوان الثلاثي على مصر، ووقعت مجزرة راح ضحيتها مئات الفلسطينيين، في أحداث وثقتها تقارير أممية بأسماء مئات القتلى، لتظل مجزرة خان يونس 1956 جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الفلسطينية وشاهدًا على معاناة المدنيين تحت الاحتلال.
وجاءت هذه الأحداث في أعقاب العدوان الثلاثي الذي شنته إسرائيل وبريطانيا وفرنسا على مصر في أكتوبر 1956، بعد قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، حيث امتدت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى قطاع غزة، الذي كان خاضعًا للإدارة المصرية آنذاك، وشهدت مدنه ومخيماته ظروفًا إنسانية وأمنية بالغة الصعوبة.
لم تكن أحداث خان يونس مجرد واقعة عابرة في سياق الحرب، بل شكلت مأساة إنسانية كبيرة، خاصة أن المدينة كانت تضم سكانًا أصليين إلى جانب آلاف اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجروا من مدنهم وقراهم خلال نكبة عام 1948، وكانوا يأملون في حياة أكثر أمنًا واستقرارًا.
العدوان الثلاثي على مصر.. كيف وصلت الحرب إلى قطاع غزة؟
لفهم ما جرى في خان يونس، لا بد من العودة إلى أحداث عام 1956، عندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس في 26 يوليو من العام نفسه، وهو القرار الذي أثار غضب بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا تسعيان إلى استعادة السيطرة على القناة، إلى جانب إسرائيل التي كانت لديها أهداف عسكرية وسياسية في المنطقة.
وفي 29 أكتوبر 1956، بدأت إسرائيل هجومها العسكري على سيناء، ثم تدخلت بريطانيا وفرنسا عسكريًا، في إطار العدوان الثلاثي الذي استهدف مصر.
وامتدت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى قطاع غزة، الذي كان يمثل منطقة ذات أهمية استراتيجية، كما كان يضم أعدادًا كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين الذين عاشوا في مخيمات أقيمت بعد نكبة 1948.
ومع تقدم القوات الإسرائيلية، تعرضت مناطق القطاع للاحتلال العسكري، ووجد السكان أنفسهم أمام ظروف شديدة القسوة، في ظل عمليات التفتيش والاعتقالات والبحث عن المقاومين والأسلحة.
وكانت مدينة خان يونس من المناطق التي شهدت أحداثًا دامية خلال تلك الفترة، لتتحول أيام نوفمبر 1956 إلى واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في تاريخ المدينة.
3 نوفمبر 1956.. اقتحام خان يونس ومخيم اللاجئين
في صباح يوم 3 نوفمبر 1956، دخلت القوات الإسرائيلية مدينة خان يونس ومخيم اللاجئين المجاور لها، ووقعت عمليات قتل واسعة بين المدنيين الفلسطينيين.
ووفقًا للتقرير الذي قدمه مدير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، فقد قُتل عدد كبير من المدنيين خلال تلك الأحداث، إلا أن التقرير أشار إلى وجود اختلاف في الروايات بشأن الظروف التي أدت إلى سقوط الضحايا.
فقد ذكرت السلطات الإسرائيلية آنذاك أن مقاومة مسلحة وقعت أثناء دخول القوات إلى المدينة، وأن بعض اللاجئين الفلسطينيين شاركوا في المقاومة.
وفي المقابل، أكد اللاجئون في شهاداتهم أن المقاومة كانت قد توقفت قبل وقوع الحوادث، وأن عددًا كبيرًا من المدنيين غير المسلحين قُتلوا أثناء مرور القوات الإسرائيلية في المدينة والمخيم، خلال عمليات البحث عن الرجال الذين بحوزتهم أسلحة.
وسجل التقرير الأممي أن عمليات التحقق من أعداد الضحايا تمت في ظروف صعبة، مع الاعتماد على شهادات موظفي الوكالة، ومن بينهم شهود عيان من اللاجئين وغيرهم.

275 فلسطينيًا.. الأرقام التي وثقتها الأمم المتحدة
من أبرز التفاصيل التاريخية المرتبطة بأحداث خان يونس أن التقرير الأممي الصادر في ديسمبر 1956 أشار إلى أن مدير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين تلقى من مصادر وصفها بالموثوقة قوائم بأسماء 275 شخصًا قُتلوا يوم 3 نوفمبر.
وتضمنت القائمة:
* 140 فلسطينيًا من اللاجئين المسجلين لدى الوكالة.
* 135 من السكان المحليين لمدينة خان يونس.
وأوضح التقرير أن العدد الدقيق للقتلى والجرحى لم يكن معروفًا بصورة نهائية، وأن القوائم التي وصلت إلى الوكالة تمثل الأسماء التي أمكن توثيقها في ظل الظروف التي كانت سائدة آنذاك.
وتكشف هذه الأرقام أن الضحايا لم يكونوا من اللاجئين وحدهم، بل شملت المأساة أبناء المدينة الأصليين أيضًا، وهو ما يعكس اتساع نطاق الأحداث وتأثيرها على المجتمع المحلي بأكمله.
وأصبحت حصيلة 275 قتيلًا من أبرز الأرقام التاريخية الموثقة في التقارير الأممية بشأن أحداث ذلك اليوم، رغم وجود تقديرات فلسطينية لاحقة تحدثت عن أعداد أكبر عند احتساب ضحايا فترة الاحتلال الأوسع والوقائع الأخرى التي شهدها القطاع.
ومن المهم التمييز بين حصيلة أحداث 3 نوفمبر في خان يونس، وبين إجمالي الضحايا الذين سقطوا خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة في عامي 1956 و1957.
شهادات الناجين.. مأساة لم تغب عن ذاكرة العائلات الفلسطينية
لم تتوقف آثار المجزرة عند عدد الضحايا الذي سجلته التقارير، بل امتدت إلى مئات العائلات التي فقدت أبناءها وأقاربها، وعاشت سنوات طويلة تحمل ذكريات تلك الأيام.
وتحدثت شهادات فلسطينية عن عمليات تفتيش واسعة للمنازل والشوارع، وجمع الرجال في أماكن عامة، وإخضاع السكان لعمليات بحث عن الأسلحة والأشخاص المشتبه في مشاركتهم في المقاومة.
كما تضمنت روايات ناجين وصفًا لوقائع قتل داخل المدينة ومخيم اللاجئين، ولحظات صعبة عاشتها الأسر التي لم تكن تعرف مصير أبنائها بعد دخول القوات الإسرائيلية.
وتناولت دراسات تاريخية لاحقة تفاصيل عن عمليات إعدام وقتل في مواقع مختلفة داخل خان يونس ومخيمها، فيما اختلفت التقديرات بشأن إجمالي عدد الضحايا ونطاق الأحداث التي ينبغي احتسابها ضمن المجزرة.
وبالنسبة للعائلات الفلسطينية، لم تكن القضية مجرد أرقام أو وثائق تاريخية، بل كانت حكايات عن آباء وأبناء وإخوة فقدوا حياتهم، وأمهات انتظرن عودة أبنائهن، وأطفال كبروا وهم يحملون ذكريات فقدان أفراد أسرهم.

مجزرة رفح في نوفمبر 1956.. مأساة أخرى بعد تسعة أيام
ولم تكن أحداث خان يونس هي الواقعة الدامية الوحيدة التي شهدها قطاع غزة خلال تلك الفترة، ففي 12 نوفمبر 1956، وقعت أحداث أخرى في مخيم رفح للاجئين الفلسطينيين، خلال عملية فرز وتفتيش نفذتها القوات الإسرائيلية.
وأشار التقرير الأممي إلى سقوط قتلى وجرحى من اللاجئين خلال العملية، كما أورد وجود اختلاف بين الروايات بشأن كيفية وقوع الحادث وعدد الضحايا.
وتلقى مدير الوكالة قوائم بأسماء 111 شخصًا قُتلوا في حادث رفح، وفقًا لما ورد في التقرير.
وتكشف المقارنة بين أحداث خان يونس ورفح عن حجم المعاناة التي تعرض لها المدنيون الفلسطينيون خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي للقطاع في عام 1956.
ومن الضروري تاريخيًا عدم الخلط بين الواقعتين؛ فمجزرة خان يونس وقعت في 3 نوفمبر، بينما وقعت أحداث رفح في 12 نوفمبر من العام نفسه، ولكل منهما قوائم ضحايا وتفاصيل وظروف خاصة بها.
لماذا تظل أحداث خان يونس محطة مهمة في التاريخ الفلسطيني؟
تحمل هذه الأحداث أهمية خاصة في التاريخ الفلسطيني، لأنها وقعت بعد سنوات قليلة من نكبة 1948، حين اضطر مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى مغادرة مدنهم وقراهم، والعيش في مخيمات اللجوء داخل قطاع غزة ودول الجوار.
وكان سكان خان يونس واللاجئون المقيمون في مخيمها يعيشون بالفعل ظروفًا صعبة نتيجة التهجير وفقدان الممتلكات وتراجع فرص الحياة المستقرة.
ومع اندلاع حرب 1956، وجد هؤلاء أنفسهم مرة أخرى في مواجهة ظروف الاحتلال والعمليات العسكرية، لتضاف مأساة جديدة إلى سلسلة طويلة من المعاناة الإنسانية.
كما أن توثيق أسماء الضحايا في التقارير الأممية يمثل جانبًا مهمًا من الحفاظ على الذاكرة التاريخية، خاصة أن كثيرًا من الأحداث التي تقع أثناء الحروب لا يتم توثيقها بصورة كاملة، بسبب صعوبة الوصول إلى المواقع المتضررة والقيود المفروضة على حركة العاملين في المؤسسات الإنسانية.
وقد ظلت خان يونس حاضرة في الذاكرة الفلسطينية باعتبارها مدينة تحمل تاريخًا طويلًا من الصمود والمعاناة، وشهدت عبر عقود متتالية أحداثًا تركت آثارًا عميقة على سكانها.

انسحاب القوات الإسرائيلية وبقاء الذاكرة
استمر الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة وسيناء خلال أزمة 1956، قبل أن تنسحب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها في مارس 1957، بعد ضغوط دولية وتدخل الأمم المتحدة.
لكن الانسحاب العسكري لم يكن كافيًا لإنهاء آثار ما حدث، فقد بقيت الخسائر البشرية والاجتماعية حاضرة في حياة العائلات التي فقدت أبناءها، كما ظلت ذكريات تلك الفترة جزءًا من التاريخ الذي تناقلته الأجيال الفلسطينية.
وتؤكد الوثائق التاريخية أن ما جرى في خان يونس لم يكن مجرد تفصيل جانبي في أحداث العدوان الثلاثي، بل واقعة إنسانية كبيرة تستحق التوثيق والدراسة، بعيدًا عن الخلط بين الأرقام المختلفة أو تقديم الروايات المتنازع عليها باعتبارها حقائق محسومة.
في مثل هذا اليوم.. مجزرة خان يونس 1956 جرح في الذاكرة الفلسطينية
في ذكرى 3 نوفمبر، تعود مجزرة خان يونس 1956 إلى الواجهة باعتبارها واحدة من أكثر الوقائع إيلامًا في تاريخ قطاع غزة خلال القرن العشرين.
فخلف الأرقام التي وثقتها التقارير، توجد عائلات فقدت أبناءها، ومدينة عاشت أيامًا قاسية، وشعب لا تزال ذاكرته تحتفظ بتفاصيل تلك المرحلة.
إن استعادة هذه الأحداث ليست مجرد عودة إلى الماضي، بل هي حفاظ على الذاكرة التاريخية، وتذكير بأهمية توثيق معاناة المدنيين في أوقات الحروب، والتمسك بحق الأجيال الجديدة في معرفة ما شهدته مدنهم وقراهم.
وتبقى مجزرة خان يونس 1956 صفحة مؤلمة من تاريخ فلسطين، لا يمكن اختزالها في أرقام، ولا يمكن فصلها عن معاناة شعب عاش سنوات طويلة بين التهجير والحروب والاحتلال.
زوروا صفحتنا على فيسبوك 👇
https://www.facebook.com/share/19UV8JhvFH/?mibextid=wwXIfr




