في مثل هذا اليوم، 16 أكتوبر عام 1933، شهدت مصر محطة مهمة في تاريخ اللغة العربية، مع صدور المرسوم الملكي بتعيين الأعضاء العاملين المؤسسين لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، في عهد الملك فؤاد الأول، ليبدأ هذا الصرح العلمي مرحلة جديدة في مسيرة الحفاظ على اللغة العربية وتطويرها ومواكبتها للتقدم العلمي والثقافي.
ويُعد مجمع اللغة العربية بالقاهرة واحدًا من أبرز المؤسسات العلمية المتخصصة في خدمة اللغة العربية، إذ اضطلع منذ تأسيسه بمهمة المحافظة على سلامتها، ووضع المصطلحات العلمية، وإعداد المعاجم، ودراسة تطور الألفاظ وأساليب الاستعمال، بما يساعد اللغة على استيعاب المستجدات في مختلف مجالات الحياة.
ورغم أن المرسوم الخاص بتعيين الأعضاء صدر في أكتوبر 1933، فإن إنشاء المجمع نفسه يعود إلى ديسمبر عام 1932، عندما أصدر الملك فؤاد الأول مرسومًا ملكيًا بإنشاء معهد باسم «مجمع اللغة العربية الملكي»، تابع لوزارة المعارف العمومية آنذاك.
الملك فؤاد الأول ومشروع إنشاء مجمع اللغة العربية
جاء إنشاء مجمع اللغة العربية في مرحلة شهدت اهتمامًا متزايدًا بإحياء اللغة العربية وتطوير أدواتها، خاصة مع التوسع في التعليم الحديث، وظهور الحاجة إلى مصطلحات عربية تستوعب العلوم والفنون والتطورات المتلاحقة في المعرفة.
وكان الهدف من إنشاء المجمع تأسيس مؤسسة علمية تضم مجموعة من المتخصصين والعلماء، تتولى دراسة اللغة العربية دراسة منهجية، وتعمل على الحفاظ على أصولها، مع تطوير قدرتها على التعبير عن متطلبات العصر.
وقد نص مرسوم الإنشاء الصادر في ديسمبر 1932 على عدد من الأهداف الأساسية، من بينها المحافظة على سلامة اللغة العربية، وجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون، ووضع معجم تاريخي للغة، وتنظيم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة، والبحث في كل ما من شأنه الإسهام في تقدم اللغة.
ومثّل المشروع خطوة مهمة في مسار العمل المؤسسي لخدمة العربية، فلم يقتصر دوره على متابعة القواعد اللغوية، بل امتد إلى البحث العلمي، وتحقيق التراث، وإعداد المصطلحات التي تحتاج إليها المؤسسات التعليمية والعلمية.
مرسوم عام 1933.. اختيار الجيل المؤسس للمجمع
كان صدور المرسوم الملكي في 16 أكتوبر 1933 محطة أساسية في تحويل مشروع المجمع إلى مؤسسة لها أعضاء محددون ومسؤوليات علمية واضحة. فقد جرى تعيين عشرين عضوًا عاملًا من العلماء والباحثين المتخصصين في اللغة العربية وعلومها، إلى جانب عدد من المستشرقين الذين امتلكوا خبرات علمية في اللغات الشرقية والدراسات العربية.
وجاء هذا التشكيل ليعكس رغبة في الاستفادة من خبرات متنوعة، وعدم قصر العمل على جنسية واحدة، مع الاعتماد على المعرفة والكفاءة العلمية في اختيار الأعضاء.
وضمت قائمة الأعضاء أسماء بارزة، في مقدمتها محمد توفيق رفعت باشا، الذي تولى رئاسة المجمع، إلى جانب الدكتور منصور فهمي، الذي اضطلع بمهمة كاتب السر، وعدد من العلماء واللغويين الذين ساهموا في تأسيس العمل العلمي للمؤسسة.
وكان هذا التشكيل بداية مرحلة مهمة في تاريخ المجمع، إذ أتاح وضع أسس العمل الداخلي، وتوزيع المهام البحثية، والاستعداد للانطلاق في المشروعات اللغوية التي استهدفها مرسوم الإنشاء.

متى بدأ مجمع اللغة العربية عمله الفعلي؟
على الرغم من صدور مرسوم الإنشاء عام 1932، ثم مرسوم تعيين الأعضاء عام 1933، فإن المجمع عقد جلسته الأولى للدورة الأولى صباح 30 يناير عام 1934.
وشكّل هذا التاريخ بداية العمل الفعلي للمجمع في إطار مؤسسي منظم، حيث بدأ أعضاؤه مناقشة القضايا اللغوية والبحثية، ووضع الخطط اللازمة لتنفيذ الأهداف التي أنشئ من أجلها.
ومنذ ذلك الوقت، واصل المجمع عقد دوراته العلمية، وتطورت أعماله لتشمل إعداد المعاجم، ودراسة المصطلحات، ونشر البحوث، وتحقيق عدد من المؤلفات التراثية، فضلًا عن بحث القضايا المتعلقة بتطور اللغة واستعمالاتها في المجالات الحديثة.
وتكشف هذه المراحل التاريخية أهمية التمييز بين تاريخ صدور مرسوم الإنشاء في ديسمبر 1932، وتاريخ تعيين الأعضاء المؤسسين في أكتوبر 1933، وتاريخ انعقاد الجلسة الأولى في يناير 1934، وهي محطات متتابعة في تأسيس المؤسسة وانطلاق عملها.
أهداف مجمع اللغة العربية.. من حماية اللغة إلى مواكبة العلوم
لم يكن الهدف من إنشاء مجمع اللغة العربية مجرد الحفاظ على المفردات والقواعد التقليدية، بل كان السعي إلى جعل العربية لغة قادرة على استيعاب العلوم والفنون الحديثة، والتعبير عن المفاهيم الجديدة التي تظهر مع تقدم المعرفة.
ولهذا اضطلع المجمع بمجموعة من المهام، أبرزها إعداد المعاجم اللغوية، والعمل على توحيد المصطلحات، ودراسة الألفاظ والتراكيب، وبحث سبل تطوير الاستعمال اللغوي بما يتفق مع قواعد العربية واحتياجات المتحدثين بها.
كما اهتم المجمع بوضع معجم تاريخي للغة العربية، وهو مشروع يسعى إلى تتبع تاريخ الكلمات وتطور دلالاتها عبر العصور، بما يتيح فهمًا أعمق لمسيرة العربية وتحولاتها.
وشملت جهوده كذلك دراسة اللهجات العربية الحديثة، والبحث في الصلات بين الاستعمالات اللغوية المختلفة، إلى جانب الاهتمام بالتراث العربي ونشر الدراسات التي تسهم في فهمه والمحافظة عليه.
وقد ساعد هذا التوجه على تعزيز دور المجمع باعتباره مؤسسة تجمع بين الأصالة والتجديد، فلا تتعامل مع اللغة بوصفها تراثًا ثابتًا فحسب، وإنما باعتبارها وسيلة حية للعلم والثقافة والتواصل.

المعاجم والمصطلحات.. أثر ممتد في الحياة العلمية
من أبرز مجالات عمل مجمع اللغة العربية بالقاهرة إعداد المعاجم التي تساعد على ضبط المفردات وتوضيح معانيها، إلى جانب وضع المصطلحات المتخصصة التي تحتاج إليها مجالات مثل الطب والكيمياء والعلوم الاجتماعية وغيرها.
وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصة في ظل التطور المستمر للمعرفة، إذ تتطلب العلوم الحديثة مصطلحات دقيقة تساعد الباحثين والطلاب على فهم المفاهيم الجديدة والتعبير عنها باللغة العربية.
ومن بين الإصدارات المعروفة للمجمع «المعجم الوسيط» و«المعجم الكبير»، إلى جانب مشروعات معجمية أخرى تتصل بالمصطلحات العلمية وألفاظ القرآن الكريم ولغة الشعر العربي.
ولا تقتصر قيمة هذه الأعمال على الباحثين والمتخصصين، بل تمتد إلى المعلمين والطلاب والكتّاب والصحفيين وكل من يحتاج إلى استخدام العربية بصورة دقيقة وواضحة.
كما تمثل قرارات المجمع واجتهاداته اللغوية مرجعًا مهمًا في مناقشة القضايا المتعلقة بالتعريب وتوليد المصطلحات وتطور الاستعمال، مع استمرار الحاجة إلى البحث والحوار لمواكبة التغيرات التي يشهدها العالم.
مجمع اللغة العربية ودوره في الحفاظ على الهوية الثقافية
تتجاوز أهمية المجمع الجانب اللغوي المباشر، إذ ترتبط العربية بتاريخ طويل من الإنتاج الفكري والأدبي والعلمي، وتمثل جزءًا أساسيًا من الهوية الثقافية للمجتمعات الناطقة بها.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على سلامة اللغة لا يعني رفض التطور أو الانغلاق أمام اللغات الأخرى، بل يعني امتلاك الأدوات التي تتيح للعربية التعبير عن الأفكار الحديثة، واستيعاب المصطلحات الجديدة، والمشاركة في الحوار العلمي والثقافي العالمي.
وتزداد أهمية هذا الدور في عصر التكنولوجيا والاتصال الرقمي والذكاء الاصطناعي، حيث تتسارع التغيرات اللغوية وتظهر مفاهيم جديدة بصورة مستمرة، ما يتطلب جهودًا علمية منظمة لضمان دقة المصطلحات وسلامة الاستخدام.
كما أن دعم اللغة العربية مسؤولية مشتركة بين المؤسسات العلمية والتعليمية والإعلامية والثقافية، إلى جانب دور الأسرة والأفراد في القراءة والكتابة واستخدام اللغة بصورة واعية.

ذكرى تأسيسية تستعيد مسيرة خدمة العربية
تظل ذكرى صدور مرسوم تعيين الأعضاء المؤسسين لمجمع اللغة العربية بالقاهرة في 16 أكتوبر 1933 مناسبة لاستعادة مرحلة مهمة من تاريخ العمل اللغوي في مصر، والتذكير بالدور الذي أدته المؤسسات العلمية في حماية العربية وتطويرها.
فالمجمع الذي بدأ بمشروع ملكي عام 1932، وانطلقت جلساته الأولى عام 1934، واصل على امتداد عقود العمل في إعداد المعاجم والبحوث والمصطلحات، ليصبح أحد أبرز المراجع المتخصصة في شؤون اللغة العربية.
وتؤكد هذه المحطة التاريخية أن خدمة اللغة لا تتحقق بجهد فردي أو مؤقت، بل تحتاج إلى مؤسسات علمية مستمرة تجمع بين البحث والتوثيق والتجديد، وتعمل على جعل العربية قادرة على التعبير عن احتياجات الحاضر وتحديات المستقبل.
وفي النهاية، تبقى قصة مجمع اللغة العربية بالقاهرة شاهدًا على أهمية التخطيط العلمي في حماية اللغة، وعلى أن الحفاظ على العربية لا ينفصل عن تطويرها وتمكينها من مواكبة العلوم والمعارف، حتى تظل لغة حية قادرة على نقل التراث وإنتاج المعرفة والتواصل مع الأجيال الجديدة.
زوروا صفحتنا علي الفيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/1CABqSeErU/?mibextid=wwXIfr




