مواهبثقافة وترفية

مارك مراد.. طالب مصري كفيف يبتكر نظارة ذكية بالذكاء الاصطناعي لمساعدة المكفوفين

لم تمنع الإعاقة البصرية الطالب المصري الكفيف مارك مراد من تحقيق حلمه، بعدما واجه الرفض من بعض الجامعات بسبب فقدانه البصر، وشهد مع شقيقته الكفيفة مواقف من التنمر للسبب ذاته، ليقرر تحويل هذه التجارب الصعبة إلى دافع للابتكار والعمل على مشروع يمكن أن يساعد الملايين من المكفوفين حول العالم.

وتحولت معاناة مارك من تجربة شخصية مؤلمة إلى فكرة تحمل بعدًا إنسانيًا وتكنولوجيًا، إذ ابتكر تطبيقًا يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويتصل بنظارة ذكية مرتبطة بالهاتف المحمول، بهدف مساعدة المستخدم الكفيف على التعرف إلى الأشياء الموجودة من حوله وفهم البيئة المحيطة به بصورة أكثر استقلالية.

ويقدم المشروع نموذجًا لكيفية توظيف التكنولوجيا في خدمة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، من خلال تحويل الهاتف والنظارة الذكية إلى وسيلة مساعدة يمكنها وصف الأشياء وقراءة النصوص والإجابة عن الأسئلة في الوقت الفعلي.

من الرفض والتنمر إلى فكرة الابتكار

بدأت قصة مارك مراد من مجموعة من التحديات التي واجهها بسبب فقدانه البصر، إذ تعرض للرفض من بعض الجامعات، كما شاهد شقيقته الكفيفة تتعرض للتنمر للسبب نفسه.

وكان من الممكن أن تدفع هذه التجارب صاحبها إلى الابتعاد عن المجتمع أو الاستسلام للظروف، لكن مارك اختار طريقًا مختلفًا، وقرر أن يحول ما مر به إلى حافز للبحث عن حلول يمكن أن تخفف من الصعوبات التي يعيشها المكفوفون في حياتهم اليومية.

ومن هنا جاءت فكرة تطوير تطبيق يستخدم الذكاء الاصطناعي لمساعدة الكفيف في التعرف إلى المحيط من حوله، بحيث لا يقتصر دوره على تنفيذ وظيفة واحدة، وإنما يقدم مجموعة من الأدوات التي يمكن استخدامها في مواقف مختلفة.

وتعكس تجربة مارك أهمية النظر إلى التكنولوجيا باعتبارها وسيلة لزيادة الاستقلالية، وليس مجرد أدوات حديثة، خاصة عندما يتم تصميمها انطلاقًا من احتياجات الأشخاص الذين سيستخدمونها بالفعل.

كيف تعمل نظارة مارك الذكية؟

يعتمد المشروع على تطبيق متصل بنظارة ذكية مرتبطة بالهاتف المحمول، حيث تستخدم المنظومة تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل ما يوجد أمام المستخدم ثم تقديم وصف يمكنه الاستماع إليه.

وتستطيع نظارة مارك الذكية مساعدة المستخدم في التعرف إلى مجموعة متنوعة من الأشياء والمواقف التي قد يواجهها خلال يومه، بداية من الأثاث والأدوات الموجودة في المكان، وصولًا إلى السيارات والشوارع والطعام والفواكه والكتب.

فعلى سبيل المثال، يمكن للتطبيق وصف وجود كرسي أمام المستخدم، أو سيارة في محيطه، أو تقديم معلومات عن المكان الذي يتحرك فيه، بما يساعد الكفيف على تكوين صورة ذهنية أفضل عن البيئة المحيطة به.

كما يمكن للتطبيق التعامل مع الكتب والنصوص المكتوبة، إذ يستطيع قراءة النصوص أمام المستخدم، وهو ما قد يساعده في الوصول إلى المعلومات المكتوبة دون الاعتماد الكامل على شخص آخر لقراءتها له.

وتكمن أهمية هذه الخاصية في إمكانية استخدامها في مواقف يومية متعددة، سواء أثناء الدراسة أو العمل أو التسوق أو التنقل، بحسب طبيعة المكان والاحتياج.

مارك مراد.. طالب مصري كفيف يبتكر نظارة ذكية بالذكاء الاصطناعي لمساعدة المكفوفين
الشاب مارك مراد

الذكاء الاصطناعي يتحول إلى مساعد شخصي

لا يتوقف دور التطبيق عند وصف الأشياء التي تظهر أمام النظارة، إذ يتيح للمستخدم أيضًا طرح الأسئلة والحصول على إجابات.

وبذلك يصبح التطبيق أشبه بمساعد شخصي يعتمد عليه المستخدم الكفيف لفهم ما يحدث من حوله، بدلًا من أن يكون مجرد أداة للتعرف إلى الأشياء.

ويمكن لهذه الخاصية أن تمنح المستخدم مساحة أكبر من التفاعل، لأن الكفيف يستطيع السؤال عن شيء محدد يريد معرفة تفاصيله، بدلًا من انتظار وصف تلقائي قد لا يتضمن المعلومة التي يبحث عنها.

ويمثل الجمع بين التعرف إلى الأشياء وقراءة النصوص والإجابة عن الأسئلة أحد أبرز الجوانب التي تجعل المشروع قائمًا على فكرة المساعدة المتكاملة، وليس مجرد التعرف البصري التقليدي.

تطبيق يدعم أكثر من 12 لغة

حرص مارك على أن يكون مشروعه قابلًا للاستخدام من جانب عدد أكبر من المكفوفين، ولذلك يدعم التطبيق أكثر من 12 لغة، من بينها اللغة العربية.

ويكتسب دعم العربية أهمية خاصة بالنسبة للمستخدمين العرب، لأن القدرة على التعامل مع التكنولوجيا باللغة الأم تجعل استخدامها أكثر سهولة، وتساعد على إزالة أحد الحواجز التي قد تواجه المستخدم عند التعامل مع التطبيقات الحديثة.

كما أن تعدد اللغات يوسع نطاق الاستفادة من المشروع، ويجعل الفكرة قابلة للتطوير والوصول إلى مستخدمين من دول وثقافات مختلفة.

ويعكس ذلك رغبة في ألا تظل التكنولوجيا المساعدة محصورة في فئة محدودة من المستخدمين، وإنما تكون أقرب إلى أداة يمكن أن يستفيد منها أكبر عدد ممكن من الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.

مارك مراد يقرر إتاحة التطبيق للمصريين مجانًا

لم يتعامل مارك مع المشروع باعتباره فرصة تجارية فقط، رغم إمكانية تحويله إلى خدمة مدفوعة، خاصة أن الاشتراك الشهري للمستخدمين من خارج مصر يصل إلى نحو 1000 جنيه.

لكن موقفه من المشروع ارتبط أيضًا بالجانب الإنساني، إذ قرر، استجابة لرغبة والدته، إتاحة استخدام التطبيق للمصريين مجانًا.

ويحمل هذا القرار دلالة مهمة، خاصة أن التكنولوجيا الحديثة قد تكون مكلفة بالنسبة لبعض الأشخاص، بينما يحتاج الأشخاص ذوو الإعاقة البصرية إلى أدوات تساعدهم على الدراسة والعمل والحركة والتفاعل مع المجتمع.

وبالتالي، فإن توفير التطبيق مجانًا للمصريين يفتح الباب أمام شريحة أكبر من المستخدمين للاستفادة منه، بعيدًا عن القدرة المالية على دفع اشتراك شهري.

عندما اكتشف مارك مشكلة الهواتف الحديثة

لم تتوقف التحديات أمام مارك عند تطوير التطبيق والنظارة، فقد تلقى رسائل من أشخاص مكفوفين أخبروه بأنهم لا يمتلكون هواتف حديثة قادرة على تشغيل التطبيق.

وكان من الممكن اعتبار هذه المشكلة خارج نطاق المشروع، إلا أن مارك تعامل معها باعتبارها تحديًا جديدًا يجب البحث عن حل له.

وبدأ بالفعل التفكير في طريقة تسمح للأشخاص الذين لا يمتلكون أحدث الهواتف بالاستفادة من التكنولوجيا، حتى لا يصبح الابتكار متاحًا فقط لمن يستطيع شراء الأجهزة الحديثة.

وهذه النقطة تكشف جانبًا مهمًا من فلسفة المشروع، وهي أن الهدف ليس تقديم تقنية متطورة فحسب، وإنما محاولة جعلها متاحة للأشخاص الذين يحتاجون إليها بالفعل، بغض النظر عن قدرتهم المادية.

اختبار النظارة الذكية على الهواء

ظهرت إمكانات مشروع مارك بصورة عملية خلال استضافته وأسرته في أحد البرامج التلفزيونية، حيث جرى اختبار النظارة الذكية أمام المشاهدين.

وخلال التجربة، ارتدى أحد الأشخاص النظارة، وتمكن التطبيق من وصف تفاصيل موجودة داخل الاستوديو، في مشهد أظهر بصورة عملية كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي لمساعدة الكفيف على معرفة ما يوجد حوله.

وأهمية التجربة لم تكن في استعراض التكنولوجيا فقط، وإنما في إظهار الفكرة التي يعمل عليها مارك بصورة مبسطة للجمهور، من خلال تحويل المعلومات البصرية إلى وصف يمكن للمستخدم الكفيف الاستفادة منه.

كما أوضحت التجربة أن التكنولوجيا يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في سد جزء من الفجوة التي يواجهها الأشخاص الذين فقدوا القدرة على الرؤية، خصوصًا عندما يتم تطوير الأدوات اعتمادًا على احتياجاتهم الحقيقية.

مشروع يحمل رسالة إنسانية إلى جانب التكنولوجيا

لا يمكن النظر إلى تجربة مارك مراد باعتبارها مجرد مشروع تقني جديد، لأن خلف الفكرة قصة شخصية بدأت بالرفض والتنمر وانتهت بمحاولة مساعدة الآخرين.

فقد عاش مارك بنفسه بعض التحديات التي يواجهها الأشخاص المكفوفون، ولذلك جاءت فكرته من احتياج حقيقي وليس من تصور بعيد عن الواقع.

وتمنح هذه الخلفية المشروع بعدًا إنسانيًا واضحًا، لأن الهدف النهائي يتمثل في مساعدة المستخدم الكفيف على التعامل مع محيطه بدرجة أكبر من الاستقلالية.

كما أن اهتمام مارك بمن لا يمتلكون هواتف حديثة يعكس إدراكه لأن التكنولوجيا لا تحقق أثرها الكامل إذا ظلت متاحة فقط لفئة قادرة على تحمل تكلفتها.

نموذج ملهم لتحويل التحديات إلى فرص

تقدم قصة مارك نموذجًا ملهمًا للشباب الذين يواجهون تحديات مختلفة، إذ استطاع تحويل تجربة كان من الممكن أن تكون مصدرًا للإحباط إلى نقطة انطلاق لفكرة جديدة.

فالرفض الذي تعرض له لم يمنعه من مواصلة طريقه، والتنمر الذي شهدته شقيقته لم يدفعه إلى العزلة، بل جعله أكثر إصرارًا على البحث عن طريقة تساعد المكفوفين على مواجهة بعض الصعوبات اليومية.

وتكشف تجربة نظارة مارك الذكية أيضًا عن الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي في تطوير أدوات مساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة، خاصة مع قدرة هذه التقنيات على تحليل الصور والمعلومات وتقديمها بطريقة تناسب احتياجات المستخدم.

وقد يكون المشروع في حاجة إلى مزيد من التطوير والتوسع خلال الفترة المقبلة، إلا أن الفكرة الأساسية تفتح الباب أمام إمكانات كبيرة في مجال التكنولوجيا المساعدة.

بصيرة تتجاوز فقدان البصر

تظل قصة مارك مراد أكبر من مجرد طالب مصري ابتكر تطبيقًا ونظارة ذكية، فهي قصة شخص قرر ألا يسمح للظروف التي واجهها بأن تحدد مستقبله.

فقد مارك بصره، لكنه لم يفقد بصيرته، بل اختار أن يحول ما اعتبره البعض نقطة ضعف إلى قوة، وأن يجعل من تجربته الشخصية بداية لفكرة قد تمنح آخرين قدرًا أكبر من الاستقلالية والقدرة على التفاعل مع العالم من حولهم.

وفي النهاية، تمثل نظارة مارك الذكية تجربة تجمع بين التكنولوجيا والجانب الإنساني، وتؤكد أن الابتكار الحقيقي لا يرتبط فقط بحداثة الفكرة، وإنما بقدرتها على حل مشكلة حقيقية وفتح أبواب جديدة أمام من يحتاجون إلى الدعم.

زوروا صفحتنا على الفيس بوك 👇

https://www.facebook.com/share/1DEhZgPA8R/?mibextid=wwXIfr

دنيا أحمد

ناشرة وعضو مجلس إدارة بجريدة عالم النجوم وموقعها الإلكتروني